احتلال فلسطين وانغلاق الفكر الإسرائيلي

جوزيف دانا

FP Photo: Abbas Momani

تشهد الأوساط الأكاديمية في إسرائيل علاقات طويلة ومعقدة مع التحديات السياسية في البلاد. وبشكل عام، حاولت الأوساط الأكاديمية والأكاديميون الابتعاد عن الصراعات التي تشهدها إسرائيل، ولكن مع ظهور حركة المقاطعة العالمية، والتي تستهدف المؤسسات الأكاديمية التي تتعاون مع الجيش الإسرائيلي، أصبح هذا الأمر صعبًا. وبات الأكاديميون الآن هم من يديرون الحديث، وغالبًا ما يفندون الأسباب المنطقية وراء السياسة المتطرفة التي تنتهجها إسرائيل مع الفلسطينيين.

وفي مقال رأي نشرته صحيفة هآرتس (وهي صحيفة ليبرالية بشكل عام)، يسلط المؤرخ الإسرائيلي “جادي توب” الضوء بشكل دقيق على هذا التوجه، ويكشف عن مدى غموض الفكر السائد في البلاد بخصوص الاحتلال والقضية الفلسطينية.

وبالنسبة “لجادي توب”، فإن تثبيت أركان اليسار الإسرائيلي حول إذا ما كانت إسرائيل سوف تصبح دولة تمارس الفصل العنصري باتت خطوة في غير محلها، وتكشف عن عدم فهم معنى الكلمة في السياق الإسرائيلي. وعلاوة على ذلك، يقول “جادي توب”، إن الحفاظ على الوضع الراهن، الذي أصبحت فيه الهيمنة الإسرائيلية على حياة الفلسطينيين أكثر رسوخًا، هو أقل الخيارات سوءً، لأن إنهاء الاحتلال سيكون بمثابة انتحار جماعي ونهاية للصهيونية.

وبالتوصل إلى هذا الاستنتاج المشوش، يقول “توب” إنه لم يعد يؤمن بدولة فلسطينية داخل حدود عام 1967. وبدلاً من ذلك، فإن أفضل شيء لجميع الأطراف هو “الحكم الذاتي” الخاضع للسيطرة الإسرائيلية على الأرض الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن. ويدعم “جادي” موقفه بمجموعة من الحجج الإسرائيلية المبتذلة وراء عدم قيام دولة فلسطينية، ومنها أن المسافة بين الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية والمنشئات السكانية الإسرائيلية صغيرة جدًا، وإسرائيل جزيرة مستقرة في بحر من الأنظمة غير الديمقراطية (على الرغم من أن رئيس وزرائها المدان جنائياً يحاول استخدام سلطته لحماية نفسه من المحاكمة).

وكل ما تبقى، إذًا، هو حكم ذاتي، أو بعبارة أخرى، ينبغي للسلطة الفلسطينية أن تحكم فقط حفنة من المدن في الضفة الغربية إلى الأبد.

وهذا هو الموقف السائد بشدة لدى جميع الأطياف السياسية. وبشكل عام، لا يجد الإسرائيليون أي ضغوط كبيرة لإنهاء الاحتلال، لأن الاحتلال لا يشكل عبئًا ماليًا ثقيلًا على الدولة، وبما أن الفلسطينيين قد فشلوا بالفعل في بناء الدولة، فإن السيادة الكاملة ليست محل نقاش.

وتجاهل ” توب” في حديثه معاناة الفلسطينيين لإقامة دولتهم، والسبب الأساسي في ذلك هو حياتهم في ظل الاحتلال العسكري العدواني. ولم يذكر أيضًا تواطؤ السلطة الفلسطينية بشكل فعال في هذا الاحتلال الإسرائيلي بسبب تعاونها مع إسرائيل في مجال الأمن.

ولكن هل يمكن الإبقاء على الوضع الراهن؟ بالنسبة ” لتوب” والعديد من الإسرائيليين، فالإجابة “نعم” – ليس لأنهم يريدون السلام، ولكن لأنهم لا يرون ضرورة لتغيير الوضع الراهن. فالشريك التجاري الأكبر لإسرائيل هو الاتحاد الأوروبي، والذي يتفكك، وفقًا لما ذكره “توب”، بفضل زعماء مثل “بوريس جونسون” البريطاني، و”فيكتور أوربان” في المجر. ولا نية لدول الاتحاد الأوروبي للاعتراض على إسرائيل بخصوص معاملتها للفلسطينيين. ومع وجود “دونالد ترام” في البيت الأبيض، فالوضع الراهن مضمون.

ولا يعد “توب” مخطئًا تمامًا في هذا الرأي. فلم تدين أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية التعنت الإسرائيلي، وحتى هناك انفتاح من جانب بعض الدول في العالم العربي لإقامة علاقات عامة مع إسرائيل.

إن “توب” من أكثر المتحمسين لموضوع الصهيونية وبقائها. وفي الوقت الحالي، يناسب الوضع الراهن إسرائيل جيدًا. ومع ذلك، كتب “توب”: “إذا كانت الصهيونية تستند إلى الحق العالمي في تقرير المصير، فإن الحجة تقول، لا يمكن للصهيونية أن تقوم على حساب قدرة الآخرين على ممارسة هذا الحق نفسه، ويجب على المرء أن يسأل نفسه إذا ما كان ما نناقشه هنا هو جريمة بغيضة للغاية، وسلوك غير إنساني، لدرجة أن المرء يفضل الموت على ارتكاب هذه الممارسة. وهل يجب علينا فعلاً إنهاء الاحتلال حتى لو كان ذلك يعني الانتحار الجماعي للصهيونية والموت المحتمل لمعظم أبنائها وبناتها؟ “

إنه لنهج فكري رائع، فهو يستحضر جميع التعبيرات المبتذلة عن إلقاء العرب لليهود في البحر، والبيض الذين لقوا حتفهم ذبحًا بشكل جماعي بعد نهاية نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. وتدل حقيقة أن هذا النهج الفكري هو محور النقاش بين المثقفين الإسرائيليين على مقدار العمل اللازم لدفع إسرائيل إلى طاولة المفاوضات وهي عازمة على ذلك.

إن الطريقة التي تبنى بها الإسرائيليون المثقفون هذه الأيديولوجية تذكرنا بالكيفية التي بررت بها الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا نظام الفصل العنصري. وهذا يعني أن الاحتلال، إلى جانب السيطرة والهيمنة، هو السبيل الوحيد. وأظهر الفلسطينيون، مثلهم مثل السود في جنوب إفريقيا، أنهم غير قادرين على الحكم، وإذا ما سنحت لهم الفرصة للحكم، فسيكون الثأر نهجهم.

وبينما تستعد إسرائيل لضم مناطق كبيرة من الضفة الغربية بدعم من دونالد ترامب، فهذا دليل على تحول هذا النهج الفكري إلى أفعال. فبعد ما يقرب من ثلاثة عقود من مفاوضات السلام، مازال الصراع قائمًا بلا نهاية في الأفق، وعادت إسرائيل، دون عوائق، إلى الاستعمار المدمر الذي جعل الاحتلال شغلها الشاغل.

 

يعمل “جوزيف دانا”، الذي يتخذ من دولة جنوب أفريقيا ودول الشرق الأوسط موطنًا له، رئيس تحرير “emerge85″، أحد المختبرات التي تستكشف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثيرها العالمي.