العنصر المفقود في حملات القضاء على شلل الأطفال

جوناثان جرونال

AFP Photo: Asif Hassan

لقد مر 32 عامًا منذ تعهدت منظمة الصحة العالمية بالقضاء على شلل الأطفال، وذلك عبر إطلاق المبادرة العالمية لمكافحة شلل الأطفال بهدف القضاء على هذا المرض المسبب للعجز نهائيًا بحلول عام 2000. وبعد مرور عشرين عامًا على انطلاق تلك المبادرة؛ فإن المرض الذي وصل إلى ذروته في الخمسينيات من القرن الماضي وذهب ضحيته نصف مليون طفل سنويًا على مستوى العالم أغلبهم دون سن الخامسة وترك ملايين لا تُحصى من المصابون بالشلل، أصبح تأثيره أقل بكثير من ذي قبل. بيد أن تلك النتيجة لا تعُد جيدة بما يكفي. ولا يكمن السبب في عدم تحقيق النصر في نقص الأموال، بل هناك شيئًا أساسيًا أهم من المال بكثير.

قي عام 1988، كانت هناك 350 ألف إصابة بشلل الأطفال على مستوى العالم. أما في عام 2019، وبعد مرور ثلاثة عقود من التعاون واستثمار أكثر من 10 مليار دولار في أكبر منظومة صحية مشتركة بين القطاع العام والقطاع الخاص على مستوى العالم حتى اليوم، تم تسجيل عدد 125 حالة فقط للإصابة بشلل الأطفال حدثت بصورة طبيعية.، إلا أنه توجد عقبة رئيسية تقف في طريق القضاء نهائيًا على المرض، والتي إن لم يتم التخلص منها بصورة نهائية، سيعود مرض شلل الأطفال أكثر قوة مما مضى.

لا يمكن لأية منظومة صحية عامة أن تنجح دون تعاون الشعب، ويجب أن يكون ذلك التعاون مبنيًا على الثقة، ومن الواضح أن المرحلة الأخيرة لمواجهة شلل الأطفال تتوقف على التاريخ المرير للشعوب التي عانت كثيرًا من التدخُل الخارجي الذي أفقدهم الثقة في الجميع.

فجميع الحالات المتبقية من شلل الأطفال تتركز في كل من باكستان وأفغانستان وتتركز تحديدًا في المناطق الواقعة على الحدود بين الدولتين. توجد أغلب الحالات التي تم تسجيلها في إقليم خيبر (بختونخوا) بدولة باكستان، وهو الإقليم الذي يقع على الحدود الشمالية الغربية البلاد، والذي يشتمل على بوابة ممر خيبر التي مر منها التجار واجتاحها الغزاة منذ مرور الإسكندر الأكبر بتلك المنطقة في القرن الثالث قبل الميلاد.

ومنذ ذلك الحين، لم يجلب الغرباء لتلك المنطقة النائية التي أصبحت حيوية سوى الألم المرير، ومن هؤلاء الغزاة: الفرس والمغول والبريطانيين وحركة طالبان والأمريكيين.

لذلك ما الذي قد يدفع الشعب على الثقة في تلك الأطراف الخارجية حسنة النوايا التي تبذل قصارى جهدها كل عام لتوفير اللقاحات اللازمة للأطفال وعدم الشك فيهم؟!

قد يكون من السهل إلقاء اللوم على المجتمعات الكاملة التي ترفض تطعيم الأطفال نتيجة الانقياد وراء معتقدات وشكوك جاهلة فرضتها خطابات الدعاة المتطرفين، أو بسبب تهديدات الجماعات المسلحة، إلا أنه هناك العديد من الشائعات التي انتشرت بسهولة ومنها على سبيل المثال أن الأمصال التي توزعها المنظمات الخيرية الأجنبية لم يتم تصنيعها لحماية الأطفال بل لتعقيم هؤلاء الأطفال، مما يفتح المجال أمام الشك في تلك المنظمات.

وفي خيبر باختونخوا، لا تتعلق نظرية المؤامرة بالإنترنت، وإنما بالذكريات الماضية، التي يعد بعضها حديثًا جدًا.

فبعد قيام القوات البحرية الأمريكية باقتفاء أثر أسامة بن لادن في مخبأه بمدينة أبوت آباد في شهر مايو من عام 2011، اتضح أن وكالة الاستخبارات الأمريكية سي آي أيه قد أعلنت عن برنامج وهمي لتوزيع أمصال ضد مرض التهاب الكبد الوبائي من الفئة بي بهدف التحقق من الحمض النووي الخاص بأفراد العائلات في المجمع الذي يسكن فيه زعيم تنظيم القاعدة.

وكما لاحظ تحالف إنتر أكشن الغاضب للمنظمات الخيرية الأمريكية لاحقًا، فإن استغلال الأنشطة الإنسانية كغطاء للوصول لأهداف أخرى “وضع إطارًا من الشك حول نية ونزاهة جميع ممثلي المنظمات الخيرية في باكستان، مما أدّى إلى تقويض الجهود الإنسانية الدولية لمكافحة شلل الأطفال”.

وفي العام الماضي، خرجت الحملة الباكستانية لمكافحة شلل الأطفال عن مسارها بسبب رفض 700 ألف شخص تطعيم الأطفال، أغلبهم في إقليم خيبر باختونخوا. وظهرت النتائج واضحة في حالات الإصابة بشلل الأطفال التي وصلت في عام 2019 إلى 125 حالة على مستوى باكستان وأفغانستان، بعد أن انخفضت إلى 33 حالة فقط في عام 2018، والعواقب المحتملة لذلك أسوأ بكثير.

فبينما أثر الشلل على شخص واحد مصاب بالعدوى من أصل 200 شخص، تسفر حالات الإصابة البالغ عددها 125 حالة عن انتقال العدوى لتصيب 25 ألف شخص. حيث أن كل شخص من هؤلاء يمكنه نقل الفيروس، الذي ينتقل بسهولة عبر الطعام أو الماء، خاصة مع افتقاد شروط النظافة والنظام الصحي الغير ملائم.

وهذا الخطر لا يقتصر على المجتمعات في باكستان وأفغانستان، لكنه يهدد المنطقة بأكملها بل والعالم بأسره. فقد حذرت منظمة الصحة العالمية من أن “مجرد إصابة طفل واحد بالعدوى، سوف يعرض باقي الأطفال على مستوى العالم لخطر الإصابة بالمرض”، ومن الممكن أن يؤدي الفشل في القضاء على هذا المرض في آخر معاقله إلى “زيادة حالات الإصابة بالمرض سنويًا لتصل إلى 200 ألف حالة على مستوى العالم خلال عشر سنوات “.

وقد انتشر الوباء الذي تفشى في باكستان بالفعل إلى خارج المنطقة الشمالية الغربية. حيث اكتشفت أربعة حالات في عام 2019 في لاهور بالقرب من الحدود الهندية، تلك المنطقة التي تعُد حتى الآن خالية من هذا المرض. كما تم اكتشاف ستة حالات في مدينة كراتشي التي تبعد مسافة 1000 كم عن الحدود الشمالية الغربية للبلاد وأحد أكثر المناطق ازدحامًا في الإقليم بسبب اتصالها بعدة مناطق على مستوى العالم بما فيها دول الخليج العربي.

أما الحملات المحددة والتي انطلقت في منطقة دول الخليج للقضاء على شلل الأطفال، فقد نجحت في مهمتها أولًا في دولة الكويت خلال عام 1985، تبعتها دولة قطر (في عام 1990)، ثم دولة الإمارات العربية المتحدة (في عام 1992)، ودولتي البحرين وعمان (في عام 1993)، تليهما المملكة العربية السعودية (في عام 1995). بيد أن استمرار وجود مرض شلل الأطفال في باكستان يمثل تهديدًا مباشرًا باحتمال انتقال العدوى إلى أي من تلك الدول.

وخلال شهر نوفمبر، اجتمع قادة العالم في أبوظبي تحت مظلة منتدى “بلوغ الميل الأخير”، وتعهد هؤلاء القادة بتقديم 2.6 مليار دولار في إطار المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال وذلك في إطار استراتيجية القضاء على المرض بشكل نهائي بحلول عام 2023. وقد ساهمت الحكومات والمؤسسات المشاركة بقيادة الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي، الذي استضاف تلك الفعالية وقام بتقديم 160 مليون دولار.

والأهم من المال، هو الدور الذي تقوم به دولة الإمارات العربية المتحدة من أجل القضاء على شلل الأطفال بالمناطق التي يصعب الوصول إليها في باكستان، وكذا في نطاق المجتمعات التي تتسم بالشك والتي تنظر إلى دولة الإمارات على أنها أمة طيبة تشاركهم في الإقليم والدين وتاريخ طويل من المصالح المشتركة. فمنذ عام 2014، نجحت الحملة الإماراتية للقضاء على شلل الأطفال، بالتعاون مع برنامج المساعدات الإماراتية الباكستانية، في توفير 430 مليون مصل لمكافحة شلل الأطفال لبعض المناطق النائية على مستوى باكستان، هذا إلى جانب المساعدات الغذائية ومحطات معالجة المياه، ومشروعات البنية التحتية التي صُمِّمت من أجل ربط تلك المجتمعات بالفرص التي يقدمها العالم الحديث.

وخلال تلك العملية، نجحت الإمارات في توفير أحد أهم العناصر التي بدونها لا يمكن تنفيذ استراتيجية القضاء على شلل الأطفال: ألا وهي الثقة.