لعبة الطائرات بدون طيار في الشرق الأوسط قد تتمخض عن مزيد من المعارك وحروب أقل

فيصل اليافعي

AFP Photo: Manjunath Kiran

أصبحت سماوات الشرق الأوسط مُكتظة، إذ اشتعل فتيل تصاعد الأعمال العدائية التي استمرت على مدى أسبوعين بسبب طائرة بدون طيار. وقد قصفت إسرائيل القوات الإيرانية داخل سوريا، مصرحة أن طهران تعد “طائرات بدون طيار” لإرسالها عبر الحدود إلى إسرائيل. تلا ذلك توجيه إسرائيل طائراتها بدون طيار إلى الداخل اللبناني والتي تحطمت وانفجرت في ظروف غامضة في بيروت. كانت نتيجة هذه العملية أيامًا طويلةً من حرب التصريحات والمناوشات عبر الحدود بين إسرائيل وجماعة حزب الله اللبنانية المسلحة والتي انتهت، رغم ذلك، بخسائر قليلة مقارنة بالحرب الأخيرة التي اندلعت بين الطرفين في 2006.

ومن الغريب أن اختلاف النتائج يرجع إلى وجود الطائرات بدون طيار التي أشعلت فتيل النزاع في بادئ الامر. فلو أن إسرائيل استخدمت أسلوبا مختلفا في الهجوم لكان رد فعل حزب الله مختلفا. ومن المُرجح أن استخدام الطائرات بدون طيار قد أنقذ مزيد من الأرواح. وبطبيعة حال الواقع المرير لبلاد الشام، فللعبة الطائرات بدون طيار مزاياها إذ أنها تحد من احتمال التصعيد. ومن المؤكد أن تلك حقيقة بشعة بيد أنه في منطقة كانت الحروب فيها في كثير من الأحيان هي طريقة تسوية النزاعات السياسية، فقد تجنب استراتيجية الكر والفر التي توفرها الطائرات بدون طيار المنطقة مزيدًا من الصراعات.

وتنتشر الطائرات بدون طيار، أو المركبات الجوية بدون طيار على نطاق واسع في المنطقة، حيث انتشرت طائرات الاستطلاع بدون طيار في كل مكان. وقد شاع استخدام الطائرات المُقاتلة بدون طيار التي تمتلك القدرة على الطيران لمسافات طويلةوإطلاق الصواريخ أو إسقاط المتفجرات. حيث تصنعها كل من تركيا والمملكة العربية السعودية وإيران وإسرائيل. حتى حزب الله وداعش يستخدمون بعض إصداراتها. إذ تمد الولايات المتحدة والصين دول الشرق الأوسط بها.

ومن المؤكد أن استخدام الطائرات بدون طيار يجعل العنف أقل تكلفة، وبالتالي يزيد من احتمالية حدوثه، ذلك لسهولة استخدامها مقارنة بالصواريخ والمقاتلات النفاثةوأقل تكلفة منهم. فليس هناك ضباط يمكن أن يقعوا في الأسر كما أنه من السهل إنكار استخدامها. حتى في حالة معرفة من الذي قام بتنفيذ الهجوم- كما هو الحال في الهجمات الانتقامية المُتبادلة بين إيران وإسرائيل حيث يرغب كل منهما في أن يعلم الطرف الآخر أنه من شن تلك الهجمات- فإن هجمات الطائرات بدون طيار لا يمكن أن تمر دون رد بيد أن تأثيرها ليس بالقدر الذي قد يؤدي إلى اندلاع الحرب.

بالفعل تحد الطائرات بدون طيار من احتمالية نشوب الحروب. بالتأكيد هناك فرصة أكبر للخطأ في الحسابات مع استمرار استخدام الطائرات بدون طيار ولكنها تمنح دُولاً مثل إسرائيل وإيران طرقًا للانتقام بالقدر الكافي لاحتوائها. تمتلك تلك الدول وتحركاتها في المنطقة شعوبًا تحتاج إلى إرضائها، وفي كثير من الأحيان، قد يخلق الرأي العام قوة دفع خاصة به، والتي تبلغ ذروتها بالعمل العسكري الذي قد يرغب القادة السياسيون في تجنبه.

بالتأكيد، فإن أي مناوشات تسفر عن سقوط مقاتلة نفاثة ووقوع طيار مقاتل في الأسر سينجم عنه وضعًا أكثر تعقيدًا من مجرد سقوط طائرة بدون طيار. وهو نفس ما حدث بالفعل في أبريل 2001، عندما اضطرت طائرة أمريكية مُقاتلة إلى الهبوط على الأراضي الصينية واحتجاز أفراد الطاقم الأمريكي. فقد خلف الحادث صدعًا دبلوماسيًا خطيرًا. على النقيض من ذلك، عندما استولت الصين على طائرة أمريكية بدون طيار قبالة سواحلها عام 2016، مر الأمر بسلام، إذ أن غياب العنصر البشري عمل على تهدئة الرأي العام.

ويتجلى ذلك في النزاع بين إسرائيل وحزب الله الذي وقع هذا الأسبوع. ففي أعقاب الهجمة الغامضة في بيروت، صرح زعيم حزب الله أنه “يتعين على إسرائيل أن تدفع الثمن” وأطلقت الجماعة صواريخها المضادة للدبابات على إسرائيل، فدمرت مركبة عسكرية.

ومما يدل على تفضيل الطرفين أن تكون المناوشات محدودة، هو ادعاء الصحافة الإسرائيلية فيما بعد، على خلاف الحقيقة، أن الجيش الإسرائيلي قد ” لفق” حجم الخسائر التي خلفتها هجمة حزب الله حيث عُرض الجنود المصابين على شاشات التليفزيون الإسرائيلي. يبدو أن الفكرة كانت تكمن في “خداع” حزب الله ودفعه للاعتقاد بأنه قد ألحق بعض الضرر.

ولعله من السذاجة أن نتخيل أن إسرائيل قد منحت حزب الله عن طيب خاطرانتصاراً دعائياً ببساطة لتهدئة الوضع. ولكن القراءة الأرجح للأحداث توضح أن إسرائيل لم ترغب في أن يُطالبها الرأي العام الإسرائيلي بالرد ، ومن ثَمَّ قامت بتقليل الأعداد الحقيقية للمصابين. بشكل عام بعث حزب الله رسالة تفيد نفس مضمون رسالة إسرائيل التي ظهرت في وقف التصعيد. وقد فهم كلاهما الآخر دون الحاجة الى الدخول في حرب.

لك أن تتخيل لو أن إسرائيل استخدمت بدلاً من ذلكمقاتلات نفاثة أو طائرات هليكوبتر حربية في بيروت، كما فعلت في كانون الثاني (يناير) ضد السكان المُحتجَزين في غزة، لكان رد فعل حزب الله أكثر صرامة، الأمر الذي كان سيشعل الحرب بين البلدين.

ومما يثير الفضول أن امتلاك المزيد من الطائرات بدون طيار قد يكون أمرًا حسنًا، إذ أنها توفر للدول بعض طُرق انتقام لا يتسع نطاقها. (كانت الولايات المتحدة قد خففت العام الماضي من القيود المفروضة على صادرات الطائرات المسلحة بدون طيار ليتسنى لها منافسة الصين بشكل أفضل).

في منطقة تحكمها التوترات مثل الشرق الأوسط قد يؤدي امتلاك وسيلة محدودة للانتقام، ولا تتضمن العنصر البشري، في النهاية إلى نشوب صراعات أقل. فإذا كان الخيار بين إرسال طائرات بدون طيار أو دبابات أو جنود وطائرات مقاتلة، فإن الطائرات بدون طيار تبدو خيارًا أفضل.

من المؤكد أن الأمر يبدو مثيرًا للجدل. فقد يكون استخدام الطائرات المسلحة بدون طيار، بعيدا عما تخلفه من موت ودمار، أن يشكل أيضًا نوعًا من الحرب النفسية. حيث يُعد تحليق طائرات الولايات المتحدة بدون طيار في سماء المدن الباكستانية لساعات مُطلقة صواريخهافي بعض الأحيانالتي تُدمر المنازل والسيارات بمثابة عقاب جماعي للشعب الباكستاني الذي لا يعرف أي منزل أو سيارة ستستهدفها الضربة التالية. على الرغم من ذلك على البرجماتيين أن ينتبهوا إلى أن توقف استخدام الطائرات بدون طيار سوف يتمخض عن مزيد من النزاعات. فحجم الخسائر البشرية والمادية التي خلفتها الحروب الأخيرة في الشرق الأوسط كان مُروعًا: فقد دمرت الحروب أجزاء من العراق وسوريا واليمن وليبيا وفلسطين في السنوات القليلة الماضية.

وإلى أن تسود السياسة البراغماتية في الشرق الأوسط، فإن الواقع المرير هو أن تحليق المزيد من الطائرات بدون طيار في الهواء يمكن أن يعني إنقاذ المزيد من الأرواح على الأرض.

فيصل اليافعي بصدد تأليف كتاب عن الشرق الأوسط ،وهو معلق على شبكات الأخبار التليفزيونية العالمية. كما عمل في بعض المنافذ الإخبارية مثل صحيفة الجارديان وهيئة الإذاعة البريطانية ، بي بي سي، وقدم تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.