تراجع أعداد الأرمن في الشرق الأوسط

نيل هاور

AFP Photo: Behrouz Mehri

شهد تاريخ الشرق الأوسط تنوعًا عرقيًا وثقافيًا. ولأن الشرق الأوسط مهد الحضارة في الهلال الخصيب، ثم مهد الديانات الإبراهيمية الثلاث، فقد شهدت منطقة الشرق الأوسط بطبيعة الحال انحسار وتدفق عدد كبير من الشعوب والمجتمعات المتميزة. ورغم ذلك، يبدو أن استمرار هذا التراث القديم أصبح في خطر أكثر من أي وقت مضى. ففي ظل عقود من الحرب وظروف عدم الاستقرار والتطرف الديني، يتدفق المزيد من الطوائف القديمة بالمنطقة نحو الخارج بشكل مُتزايد: إنهم الأرمن.

ظل الأرمن موجودين لفترة طويلة ببلاد الشام وأماكن أخرى في المنطقة. وفي ظل تاريخ الأرمن الثري بالتجارة، نشأت أولى المجتمعات في المنطقة بسبب الهجرات الصغيرة من وطنهم الجبلي في شرق الأناضول منذ زمن طويل. ومع ذلك، جاء معظم الأرمن الموجودين حاليًا في الشرق الأوسط إلى المنطقة نتيجة للإبادة الجماعية للأرمن في عام 1915، والتي شهدت قيام القوات العثمانية بإبعادهم عن أراضيهم إلى بقية الإمبراطورية وما وراءها.

وقد تقلص عدد المجتمعات التي تأسست منذ قرن من الزمان منذ ذلك الحين، من خلال عملية تسارعت وتيرتها بشكل كبير في السنوات العشر الماضية، ثم تفاقمت أكثر خلال الاثني عشر “12” شهرًا الماضية. لقد أصبح بقاء الأرمن على المدى الطويل كمجتمع متميز في جميع أنحاء المنطقة موضع تساؤل في الوقت الحالي أكثر من أي وقت مضى.

ومن بين أكبر ثلاث مجتمعات للأرمن، كانت المجتمعات التي تعيش في سوريا هي التي شهدت أكبر معدل في انخفاض عددها. كانت سوريا موطن حوالي “80,000” أرميني قبل الحرب، غير أن الأرمينيين السوريين عانوا من سوء حظ واضح بسبب تمركزهم في حلب، والتي عانت بشدة نظرًا لأنها مركز الصراع الذي دام لأربع سنوات بين الحكومة وقوات المعارضة. وكان الأمر الصادم هو نهب بلدة “كسب” عام 2014، وهي قرية خاصة بالأرمن فقط، وتقع في الشمال الغربي من البلاد، وهو ما أصاب الأرمن في جميع أنحاء العالم بالذهول، حيث نهب الجهاديون المناهضون للنظام المدينة. وبعد تدمير منازلهم،، عاد أكثر من 20 ألف أرمني سوري إلى أرمينيا بمساعدة الحكومة الأرمينية، بينما ذهب الكثير إلى أماكن أخرى. وتشير بعض التقارير إلى أن عدد الأرمن الباقين في سوريا قد انخفض حتى أصبح “15,000” شخص.

وفقدت كلٌ من إيران ولبنان، وهما المركزان الآخران للوجود الأرميني، الكثير من الأرمن على مدار السنوات القليلة الماضية.وقد نال سكان الأرمن في لبنان، والذي بلغ عددهم سابقًا ربع مليون نسمة، نصيبهم من الهجرة خلال الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990 في لبنان. وغادر الكثيرون مؤخرًا لأسباب عادية جدًا، وهي: الركود الاقتصادي والبطالة، وهي نفس الأسباب التي دفعت الأرمن للخروج من إيران، والتي يعود تاريخ وجود الأرمن فيها إلى برنامج إعادة التوطين الذي أقره الشاه آنذاك في القرن السابع عشر. وبينما تشهد هاتان الدولتان صعوبات اقتصادية شديدة، أصبحت أرمينيا أكثر جاذبية.

بثت “الثورة المخملية”، كما وصفها المعلقون، تلك الانتفاضة السلمية التي أطاحت بالحكومة الاستبدادية لجمهورية أرمينيا في الربيع الماضي، الأمل في نفوس الشعب. وعلى الرغم من أن الشتات كان ينظرون إلى تلك “الثورة المخملية” نظرة سيئة، إلا أن هذا التصور قد انقلب رأسًا على عقب، وذلك بعدما بلغت أعداد المهاجرين (معظمهم من أصل أرمني) أقصى معدل لها منذ أكثر من عقد. ورغم صعوبة الحصول على إحصاءات دقيقة، غير أن منظمات الإعادة إلى الوطن العاملة في الجمهورية تشير إلى أن العدد الأكبر من الأرمن العائدين إلى وطنهم كان من لبنان وإيران. وإذا انتهجت أرمينيا إصلاحات اقتصادية وسياسية ناجحة، فستزيد بالتأكيد معدلات الهجرة الأرمينية من هذين البلدين.

ومن الاتجاهات الأخرى السائدة في المنطقة والتي تلعب دورًا هامًا في مسألة الهجرة: الاضطهاد المسيحي. فقد عانت المجتمعات المسيحية من القتل وغيره من الهجمات بوتيرة متزايدة ومنتظمة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وربما كانت المجتمعات الأكثر تضررًا هي الموجودة بالعراق، حيث بلغ العنف المناهض للمسيحيين ذروته منذ عام 2003 مع صعود داعش إلى الحكم، ومصر، والتي يعاني فيها المسيحيون الأقباط معاناة شديدة. وتستضيف كلتا الدولتين المجتمعات الأرمينية، ورغم ذلك، شهدت كلتا الدولتين أعلى نسبة نزوح منذ ذلك الحين. وحتى في إسرائيل، والتي يقطنها بضعة آلاف من الأرمن، ولاسيما في الحي الأرميني في القدس والذي يعود تاريخه إلى 2000 عام، يتعرض الأرمن باستمرار إلى التمييز، وإن كان بشكل أقل عنفًا بكثير.

وقد نجح هذا الاتجاه على نطاق هائل: فبينما أشارت التقديرات إلى أن المسيحيين يشكلون أكثر من 13 في المائة من سكان الشرق الأوسط في عام 1910، فمن المتوقع أن تنخفض هذه النسبة إلى مجرد 3 في المائة بحلول عام 2025، وهو تحول جذري في التركيبة السكانية في المنطقة، وهو نفس التحول السكاني الذي لحق بالأرمن.

وعلى عكس المسيحيين العرب، فإن الأرمن لديهم وطنهم الأم، حيث يتحدث السكان هناك لغتهم الخاصة، ويمارسون عقيدتهم وعاداتهم. يُعد مجرد وجود جمهورية أرمينيا بمثابة نعمة كبرى لكثير من الأرمن في الشرق الأوسط. ورغم ذلك، لا يزال هناك العديد من التحديات. أرمينيا بلد نامٍ، ويبلغ متوسط الأجر الشهري هناك 300 دولار أمريكي فقط. وعلى عكس السكان المحليين، الذين يعيشون في الغالب في المنازل والشقق التي تملكها عائلاتهم لفترة طويلة، يجب على العائدين إلى الوطن إنفاق نصف رواتبهم أو أكثر على الإيجار وحده. لقد أثر قرنان من الهيمنة الروسية ثم السوفيتية بشكل طبيعي على الثقافة والعقليات المحلية أيضًا، وخلق فجوات ثقافية ولغوية يصعب سدها. ومع ذلك، فالأرمن محظوظون لوجود هذا الملاذ المثالي.

وتمتد رقعة البلدان التي ينزح عنها الأرمن لتشمل الإسكندرية ثم حلب وصولاً إلى أصفهان، مع بعض الدلالات البسيطة التي تُشير إلى توقف عمليات النزوح. واختفت تقريبًا معظم المجتمعات الأرمينية الأصغر، كالتي في العراق على سبيل المثال. ومن المحتمل أن تبقى المجتمعات الأرمينية في إيران ولبنان، وإن كانت بأعداد قليلة، وربما يزدهرون: ويشكلون مجتمعهم الخاص في كل بلد، ولاسيما أن أعدادهم كبيرة بالقدر الكافي لتتمكن من الاكتفاء الذاتي، كما يتمتعون بامتيازات خاصة منحتها لهم الحكومات الوطنية المعنية بالأمر. ومازالت الإمارات العربية المتحدة أيضًا مركزًا نادرًا، كما أن فرصها المالية واستقرارها يشجع على وجود الأرمن فيها بصورة فعالة.

شهد النصف الثاني من القرن العشرين اختفاء يهود الشرق الأوسط من الأراضي التي عاشوا فيها لقرون؛ ويشهد النصف الأول من القرن الحادي والعشرين تكرار نفس الظاهرة بين المسيحيين. وبخصوص الأرمن الذين جاءوا إليها عنوة قبل قرن من الزمان، فيبدو أن مصيرهم قد يكون في مكان آخر مُجددًا.

نيل هاور، محلل أمني، ويقيم في مدينة “تبليسي”، عاصمة جورجيا. يهتم “نيل” في أعماله بالصراع السوري، ولاسيما الدور الروسي، والسياسات والأقليات في جنوب القوقاز، والعنف والسياسات في شمال القوقاز، ولاسيما في دولتي الشيشان وإنجوشيا.