الشرق الأوسط بحاجة إلى سياسة أكثر دقة مع تايوان

جريج سي برونو

عندما غزت روسيا أوكرانيا في 24 فبراير 2022، كان الرد من جانب دول الشرق الأوسط متباين، حيث عارضت تركيا التوغل الروسي، وشعرت قطر بالقلق من استبدال غاز موسكو، في حين عرضت المملكة العربية السعودية التوسط، وإذا ما أخذنا تلك الردود مجتمعة، فقد كان نهجاً متوازناً بين عدم استعداء  موسكو وفي نفس الوقت الوقوف إلى جانب كييف.

ولكن بعد ستة أشهر، عندما وجدت تايوان نفسها في مرمى تهديد استبدادي آخر، اتخذ الشرق الأوسط مسارا مختلفا تماما، حيث انحاز بقوة إلى الجانب الصيني.

والواقع أن كلا السياستين، الفروق الدقيقة من جانب، والدعم الثابت من جانب أخر قائمتان على المنطق، والغير منطقي هو كيف تم تطبيقهما، فإذا كان السلام والاستقرار هما الهدف، فلابد أن يكون دعم أوكرانيا حازما، في حين تتطلب تايوان توازنا ماهرا من الدبلوماسية.

ففي حالة أوكرانيا، يعد غزو روسيا انتهاكا للقانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر «استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة» من قبل عضو آخر في الأمم المتحدة.

وبعد أقل من أسبوع من شن روسيا لهجومها، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة قرارا يدين الهجوم. وكما أشار الرئيس الأمريكي جو بايدن في ذلك الوقت، كان تصويت الأمم المتحدة رسالة لا لبس فيها من العالم مفادها أن “روسيا لا يمكنها محو دولة ذات سيادة من على وجه الخارطة”.

ولكن تايوان في الجانب الأخر هي قضية أكثر تعقيدا، ولعقود من الزمان، تم الحفاظ على السلام عبر مضيق تايوان من خلال حوار دبلوماسي مرن منح تايوان والولايات المتحدة والصين القدرة على المناورة.

وتدعم واشنطن من جانبها  حق تايوان في الحكم الذاتي، وتعارض الاستقلال، وتنفق المليارات لدعم الدفاعات العسكرية للجزيرة، وهذا يسمح لبكين بالادعاء بأن تايوان مقاطعة انفصالية سيتم توحيدها في النهاية مع الوطن الأم.

ورغم أن هذه المواقف مخادعة سياسيا ومشحونة تاريخيا، فإن “الوضع الراهن”، الذي يعتمد على “صيغة لا الثلاثة” لا توحيد، ولا استقلال، ولا استخدام للقوة كان سببا في نهوض تايوان، الأمر الذي جعلها واحدة من أهم الشركاء التجاريين ومنتجي أشباه الموصلات عالية التقنية على الصعيد العالمي.

وتم اختبار ذلك التوازن في شهر أغسطس، بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي للجزيرة، وهي أعلى زيارة للولايات المتحدة منذ 25 عاما، وردت الصين بغضب،  حيث أجرت تدريبات عسكرية واسعة النطاق ردا على تلك الزيارة،  ثم مارست  بكين بعض الضغوطات على الدول لأخذ موقفها من ذلك الصراع.

وبدا الخيار واضحا في الشرق الأوسط، وخاصة في الخليج العربي، ففي منطقة تعد فيها الصين أكبر مشتر للنفط الخام، وحيث تستثمر بشكل كبير، أعتبر دعم تايوان انتحار اقتصادي.

وأدان قادة الشرق الأوسط زيارة بيلوسي باعتبارها خطوة عدائية غير مبررة، وفي وقت سابق من هذا الشهر، أصدرت جامعة الدول العربية بيانا “تؤكد من جديد أن تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية” و “رفض استقلال تايوان بجميع أشكاله “.

ولكن يمثل انحياز الشرق الأوسط لجانب الصين، دعما لتحولا دقيقا في الوضع الراهن والذي قد يكون مكلفا لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ والعالم، إن تعزيز مطالبة الصين بالجزيرة من شأنه تشجيع مغامرة الرئيس الصيني “شي” ويعزز التزامه باستعادة تايوان بالقوة، إذا لزم الأمر.

ولم تكن تايوان أبدا جزءا من جمهورية الصين الشعبية، ففي نهاية الحرب الأهلية الصينية في عام 1949، فر الزعيم القومي “شيانغ كاي شيك” إلى تايوان قبل التقدم الشيوعي، وتبعه أكثر من مليون شخص. وتعد تايوان اليوم “رسميا جمهورية الصين” واحدة من أكثر الديمقراطيات حيوية في آسيا، وادعاء بكين بأحقيتها للجزيرة يشوه التاريخ.

كما أنه يشوه إرادة الشعب التايواني، فمنذ تحولها إلى الديمقراطية في عام 1996، اعتبرت تايوان نفسها مختلفة عن البر الرئيسي الصيني، وفي استطلاعات متكررة، يعارض معظم التايوانيين دعوات الصين إلى “التوحيد السلمي”.

ومع هذا الشعور المتزايد بالاستقلال الفعلي جاء استعداد متزايد للقتال من أجل حمايته، حيث يناقش السياسيون علنا توسيع الخدمة العسكرية المطلوبة، ويقضي العديد من التايوانيين عطلات نهاية الأسبوع في تعلم كيفية التعامل مع البندقية أو تضميد جروح الطلقات النارية.

وأخبرني “روبرت تساو” وهو ملياردير التكنولوجيا التايواني والممول لأحد تلك البرامج ، أنه على عكس أوكرانيا ، ليس لدى التايوانيين مكان يذهبون إليه في حالة الحرب. “لا يمكننا الهروب من هذا الوضع. ليس لدينا ذلك الخيار” فإذا غزت الصين البلاد، فسيتعين علينا القتال”.

إن الحفاظ على السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان له أهمية قصوى بالنسبة للعديد من القادة الغربيين، حيث يمر حوالي 40 في المائة من أسطول الحاويات في العالم و 80 في المائة من أكبر السفن بالحمولة عبر مضيق تايوان، فضلا عن أكثر من 90 في المائة من أشباه الموصلات الأكثر تقدما المستخدمة في أجهزة الكمبيوتر والسيارات والهواتف المحمولة والمصنوعة في تايوان.

أي تعطيل لسلسلة التوريد الحيوية هذه من شأنه رفع أسعار المستهلك على مستوى العالم، و”بلا شك ، فإن أول قنبلة أو صاروخ صيني يسقط على الجزيرة سيجعل تأثير سلسلة التوريد لوباء كوفيد يبدو وكأنه مجرد تعطيل بسيط بالمقارنة مع ما قد يحص في ذلك الظرف”  وتلك توقعات ريتشارد كرونين، خبير الصين في مركز ستيمسون الأمريكي.

والتايوانيون أنفسهم واثقون من أن أفضل نهج لصون السلام في مضيق تايوان هو الإبقاء على الوضع الراهن، وتبنى 86 في المئة من سكان الجزيرة البالغ عددهم 23 مليون نسمة ذلك الرأي في شهر أكتوبر.

والوقوف مع تايوان لا يعني عدم التعامل مع الصين، والوضع الراهن في صالح الصين أيضا، ففي عام 2021 ، اشترت الصين رقائق بقيمة 155 مليار دولار من تايوان، ويعرف الرئيس الصيني “شي” أن إغلاق سلسلة التوريد من شأنه أن يشل الاقتصاد الصيني.

وخلال رحلة صحفية قمت بها مؤخرا إلى تايوان، تحدثت مع العشرات من السياسيين والنشطاء والتقنيين وصناع السياسات التايوانيين، حيث استكشفنا خطر الحرب مع بكين، وما يعنيه مثل ذلك الصراع للعالم.

ولم يظهر دور الشرق الأوسط ولو لمرة واحدة في حواراتي خلال أيامي الثمانية، إذا كان تحدي تايوان يشكل حقا مصدر قلق عالمي، فإن غياب الشرق الأوسط قد يكون حاسما.

 

جريج سي برونو هو مؤلف كتاب “بركات من بكين: داخل حرب القوة الناعمة الصينية على التبت”. وهو محرر كبير في “سندكيشن بيرو”، وكان عضوا في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، ومحرر رأي سابق في صحيفة ذا ناشيونال في أبوظبي وبروجيكت سنديكيت في براغ.

تويتر: @gregcbruno