على الشرق الأوسط أن يعيد حساباته بشأن الصراع السياسي في الهند

دنيانيش كامات

AFP Photo: Narinder Nanu

آن للشرق الأوسط أن يستعدّ لاتخاذ خطوات حاسمة في ضوء الصراع السياسي القائم في الهند، حيث يجب استغلال تلك الفرصة العظيمة للانسحاب من جميع أنحاء بحر العرب. لقد استطاعت الحكومات المتعاقبة في نيودلهي أن تحقّق ما تطمح إليه بلدان أخرى من الحفاظ علي علاقات طيبة مع جميع بلدان المنطقة في الشرق الأوسط، ؛ ولكن سرعان ما ستنفك تلك العلاقات الودية و تنحل. .

كلما ركّزت الحكومة الهندية الحالية، برئاسة حزب “بهاراتيا جاناتا” القومي الهندوسي، جهودها بشأن قانون تعديل الجنسية والسجل المدني للمواطنين المثيرين للجدل، وكلما أسفر ذلك عن ازدياد حدة الاحتجاجات على مستوى البلاد، لن يكون أمام حلفاء الهند في الشرق الأوسط إلا تجاهل أزمة تلوح في الأفق وتهدّد علاقاتهم.

يسمح قانون تعديل الجنسية الجديد بمنح الجنسية الهندية للمهاجرين اللاجئين من دول الجوار، باستثناء المسلمين منهم؛ الأمر الذي يمثّل إشكالية هنالك، ذلك أنّه يتعارض مع القيم المنصوص عليها في الدستور، الذي يكفل المساواة بين الجميع دون النظر إلى دياناتهم أو معتقداتهم. ولكن عندما تقترن ذلك بالآثار المترتبة علي إنشاء السجل الوطني المقترح، الذي يشترط على المسلمين إثبات “مواطنتهم” من خلال تقديم وثائق ومستندات تثبت ذلك كي يُعترف بهم كمواطنين هنود، فتكون وطأة تلك الآثار تبعية وتراكمية. كما أجاز القانون لغير القادرين على إثبات مواطنتهم أن يستردوا الجنسية وفقًا للقانون الجديد؛ باستثناء المسلمين منهم.

ينتظر الهنود المسلمين، و الأغلبية منهم فقراء، ومن المرجح ألا يكون لديهم الوثائق المطلوبة لإثبات مواطنتهم، هوة سحيقة وهلاك حتمي، لأنّ وجود خطر احتمالية عدم تمتعهم بالجنسية وحرمانهم من حقوقهم وترحيلهم يحيط بهم من كل مكان، و هو الأمر الذي سيمتد صداه ليصل إلى دول الجوار مباشرة.

تستضيف دول مجلس التعاون الخليجي 7 ملايين هندي، الذين يمثلون أكثر من 60% من المغتربين هناك. من بين هذا المجتمع، توجد نسبة كبيرة من الهنود المسلمين في جميع شرائح المجتمع، من عمال بناء وأطباء وتجار وغيرهم. هذا المجتمع لا يسهم فقط في التنمية الاقتصادية للبلدان المضيفة، بل إنّ نصف الحوالات المصرفية من هذه البلدان يُوجّه إلى الهند.

ماذا ستفعل دول مجلس التعاون الخليجي إذا وجدت نفسها فجأة تستضيف عددًا هائلًا من الهنود المهمشين وعديمي الجنسية؟ بل إنّ هذه الحساسيات السياسية الديموغرافية لدى العديد من دول مجلس التعاون الخليجي تخضع لسياسات “تجنيس” صارمة للغاية. وعلى الرغم من ذلك، و سعيًا لبث بيئة تستحدث “وطنًا جديدًا” للمغتربين، عمدت عدة دول من مجلس التعاون الخليجي مثل عمان والإمارات العربية المتحدة والبحرين إلى تعزيز و توفير بيئة من الشمولية الدينية والتسامح الثقافي. فالإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، تحتوي على معابد وكنائس ومجمع يهودي. أما باقي هذه البلدان فجميعها تقيم مهرجانات هندوسية مثل “ديوالي” و “هولي” و “نافاراتري” كما لو كانت في الهند.

و من ناحية سياسية، لن يحظى ذلك بتأييد إذا خلّف غياب الأمن بين مسلمي الهند البالغ عدده200 مليون نسمة أصداءّ قوية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

على أي حال، بذل رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، جهودًا ترمي إلى ربط الهنود في دول مجلس التعاون الخليجي، ممن هم منعزلون سياسيًا، بالسياسة في وطنهم. وبطبيعة الحال، إنّ أي توتر يصيب النسيج الاجتماعي الهندي سيكون له أثر في التماسك المجتمعي بين الهنود الموجودين في دول الخليج.

في طهران، قد يجد القادة الإيرانيون أيضًا صعوبة بالغة في تجاهل الأحداث الجارية في الهند. فلوقت طويل، حاول حزب “بهاراتيا جاناتا” وضع الشيعة الهنود في موضع سياسي ، لتكون قوة موازية للعديد من أهل السنة. وفي تنازل غير مسبوق للقادة الأجانب الزائرين، سُمح للرئيس الإيراني حسن روحاني بإلقاء خطاب علني من مسجد من القرن السادس عشر، الذي يعتبر ذو أهمية تاريخية للشيعة الهنود في عام 2018.

ونظرًا لأن قانون تعديل الجنسية – و السجل المدني ينذران بإثارة غضب المسلمين الهنود في الطوائف كافة، فقد اندلعت الاحتجاجات أيضًا من مراكز شيعية في الهند. وانطلاقًا من كون إيران القوةالرائدة لمذهبالشيعية علي مستوي العالم، فإن جزءًا كبيرًا من شرعية النظام الإيراني يعتمد عليها في التحدّث باعتبارها الممثلة لمذهب الشيعة في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من علاقاتهم الودية، لم يتراجع القادة الإيرانيون فيما مضى عن انتقاد سياسات نيودلهي الداخلية. ففي عام 2016، أشار المرشد الأعلى علي خامنئي بوضوح إلى كشمير و فلسطين في أحد خطاباته، الذي كان يوجه فيه انتقادًا لاذعًا لنيودلهي، كما أشار إلي كشمير مرة أخرى في العام الماضي، و ذلك بعدما ألغت نيودلهي الحكم الذاتي للإقليم وفرضت حكمًا مباشرًا.

إنّ إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي قد تأمل نيودلهي في كسب بعض الدعم منها. إنّ إقحام الدين كمعيار للمواطنة وتعريف بلد المرء باعتباره الوطن الشامل لأديان معينة، يشبه إلى حد بعيد الأيديولوجية التي يؤيّدها رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، الذي ربما يبحث عن تأييد الآخرين ويسعى إلى استمرار سياساته تجاه الفلسطينيين والعرب الإسرائيليين بالإشارة إلى آخر المستجدات في الهند.

إنها مسألة وقت فحسب؛ قبل أن تثور الأمواج العاتية الناجمة عن السياسة الداخلية للهند عبر بحر العرب، بل إنّها مسألة غير مسبوقة وتبعث على القلق، وربما تتغلل إلى العلاقات الهندية بالشرق الأوسط وتؤثر فيها سلبًا.

دانيانيش كامات، محلل سياسي في الشرق الأوسط وجنوب آسيا. يسدي مشورات للحكومات بشأن السياسات والمبادرات الاستراتيجية الرامية لتعزيز النمو في الصناعات الإبداعية مثل الإعلام والترفيه والثقافة.