” جدول أعمال المناخ ” حول الخسائر والأضرار سيغرقنا جميعا

جوناثان جرونال

Image courtesy of Ahmad Gharabli / AFP

مورست بعض الانتقادات الصبيانية التي استهدفت البلدان المنتجة للنفط في قمة المناخ في شرم الشيخ (مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2022) والتي اختتمت اعمالها يوم الجمعة، وكما لو كان من الممكن تحقيق أي تقدم من دون تعاونهم.

وخصصت صحيفة الغارديان البريطانية، التي يمكن الاعتماد عليها دائما في مهاجمة دول الخليج حتى من دون ذرائع، مقالا طويلا لما اعتبرته كشفا صادما بأن الإمارات العربية المتحدة، التي ستستضيف مؤتمر الأطراف 28 في نوفمبر المقبل، قد اتخذت الخطوة الطبيعية تماما بإرسال وفد كبير إلى شرم الشيخ.

وفي الوقت نفسه، فإن استراتيجية المملكة العربية السعودية الكبرى لالتقاط الكربون، وهي أكثر طموحا بكثير من أي خطة أخرى معروض حاليا في هذا المجال الحيوي، والتي أقرتها الأمم المتحدة كسلاح أساسي في ترسانة العالم المتنوعة في المعركة ضد الاحترار العالمي، قد رفضتها منظمة السلام الأخضرومساعدوها الإعلاميون باعتبارها “حلا زائفا” و “مضيعة للوقت والمال”.

لكن الهدر الحقيقي للوقت والمال في قمة المناخ في شرم الشيخ (مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2022) كان عقد القمة نفسها.

ليس لأن المؤتمر قوضه اللوبي الخليجي الذي يفترض أن لديه نيات شريرة، ولكن لأنه اختطف وتعرض للخطر القاتل من قبل جماعة “الخسائر والأضرار ” التي تدعي المثالية.

و”الخسائر والأضرار” هي فكرة أن البلدان الفقيرة التي تعاني من آثار تغير المناخ، مثل الفيضانات والعواصف وارتفاع مستويات سطح البحر، يجب أن تعوضها ماليا الدول الغنية المسؤولة عن انبعاثات الكربون الكبيرة.

وقد يبدو ذلك وكأنه فكرة عظيمة، ممارسة الفضيلة في “العدالة المناخية”.

ولكن في الواقع هو تشتيت انتباه مجنون عن المهمة البالغة الأهمية التي أمامنا وهي إنقاذ كوكب الأرض.

وبسبب التركيز على “الخسائر والأضرار”، لم يتم إحراز أي تقدم على الإطلاق حول أهداف تغير المناخ بعيدة المنال في قمة المناخ. والأسوأ من ذلك أن القمة قد مهدت الطريق الآن لسنوات من التقاعس المستمر عن العمل والذي سيُعيق تحقيق الشيء الوحيد المهم فعلا.

والواقع أن الآليات الفعلية لضريبة “الذنب” والجدل الدائر حول من سيدفع وكم سيدفع، وكم المبالغ التي سيتم تحصيلها، وهذا يعني أنه في المستقبل المنظور، وبدلا من إنقاذ كوكب الأرض، فإن عملية مؤتمر الأطراف برمتها معرضة لخطر التحول إلى طريق مسدود من المشاحنات والجدل السياسي حول قضية الخسائر والأضرار.

وتكمن المفارقة في إنه بينما يستمر الخلاف حول التعويض، فإن تأثير تغير المناخ غير المنضبط على الدول التي تطالب بالتعويض سيزداد سوءا، فما الفائدة من إعطاء شعب حفنة من الأموال وهو غارق تحت الماء.

ومن الواضح حالة اليأس بين الدول “المذنبة” التي شعرت بأنها مضطرة إلى التوقيع على جدول الأعمال المخزي في شرم الشيخ.

وقالت وزيرة المناخ الألمانية جنيفر مورغان “وافقنا على الاتفاقية، لأننا نريد أن نقف مع الفئات الأكثر ضعفا” والتي كانت كما ذكرت وكالة رويترز “مستاءة بشكل واضح” من أن الهدف الأكثر أهمية المتمثل في طموح أقوى في مجال تغير المناخ قد تم المساومة عليه من أجل الاتفاق.

حتى الصندوق العالمي للحياة البرية أعلن أن خطة دفع تعويضات للبلدان المتضررة من آثار تغير المناخ “هي فكرة خطرة وقد تصبح عربون للكوارث القادمة ما لم يتم خفض الانبعاثات بشكل عاجل بما يتماشى مع هدف 1.5 درجة مئوية”.

وذلك الهدف، الذي تم الاتفاق عليه في باريس في عام 2015، اعتبرته الأمم المتحدة بالفعل بعيد المنال تقريبا قبل قمة شرم الشيخ.

والأمم المتحدة، ملزمة دستوريا بالدفاع عن المستضعفين، ولكنها حوصرت في الزاوية بعد توسلات الدول “الضحايا”.

وبدا الأمين العام أنطونيو غوتيريش متعبا ومهزوما وهو يرحب باتفاق الخسائر والأضرار باعتباره “خطوة مهمة نحو العدالة”، مضيفا “نحن بحاجة إلى خفض الانبعاثات بشكل كبير والآن – وهذه قضية لم يتطرق لها مؤتمر الأطراف”.

إننا نواجه الآن سيناريو كارثيا، فمع تفاقم آثار الانحباس الحراري العالمي أكثر من أي وقت مضى، سيرى العالم المزيد من الظواهر مثل الفيضانات التي شهدناها في بلدان مثل باكستان ونيجيريا، وبدلا من العمل للتعامل مع المسببات، سوف يتشاجر العالم حول البلدان التي ينبغي أن ندفع لها التعويضات.

وسيستمر هذا الجدل، دون الوصول إلى حل، وسيستهلك الكثير من الوقت والجهد لسنوات، في مواجهة الكارثة الوشيكة والمتزايدة الاحتمال التي تنبأت بها تقارير عديدة ومثيرة للقلق من الفرق الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، ويمثل ذلك إهدار إجرامي للوقت والمال الثمينين، وكلاهما من الأفضل إنفاقه على حل المشكلة الوجودية المركزية.

ومما لا شك فيه أن دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي وافقت على استضافة قمة المناخ 28 بحسن نية، ستستعد بكل توجس للهجوم الشرس القادم نحوها، ويجب الإشادة بدولة الإمارات لأنها قررت لعب دور بارز على الساحة الدولية. لكنها الآن تجد نفسها أيضا في موقف صعب، حيث يتوقع منها أن تكمل مسيرة قمة شرم الشيخ في مصر بينما تحاول في الوقت نفسه التقدم في جدول أعمال الخسائر والأضرار.

وهي مهمة صعبة المنال، حيث تتطلب معالجة تغير المناخ جهدا عالميا موحدا ومركزا، والخسارة والضرر هو تشتيت مثير للانقسام وذو دوافع سياسية.

وعلى أقل تقدير، يجب استبعاد تلك المسألة من الأعمال العاجلة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية المتعلقة بتغير المناخ، وتسليمها إلى هيئة مختلفة تماما، دون تداخل بنود جدول الأعمال.

من الآن وحتى العام المقبل، تحتاج الأمم المتحدة والأطراف في الاتفاقية إلى إحكام السيطرة على الأعصاب والتصرف بنضح، وإذا لم يفعلوا ذلك، فإن قمة الأطراف (قمة المناخ 28) في الإمارات العربية المتحدة سوف تغرق في ذلك الهراء من اللوم وجلد الذات، والجميع سيدفع الثمن بما في ذلك الدول المتضررة في جنوب الكرة الأرضية.

 

جوناثان غورنال هو صحفي بريطاني، عمل سابقا مع صحيفة التايمز، وعاش وعمل في الشرق الأوسط ويقيم الآن في المملكة المتحدة. تويتر: @JonathanGornall