الاستراتيجية طويلة المدى لصناديق الثروة السيادية في الخليج

جوزيف دانا

AFP Photo: Adrian Dennis

القائمين على صناديق الثروة السيادية الكبرى على مستوى العالم يشعرون أن اللحظة باتت مواتية لاصطياد الصفقات، فقد أدّى انتشار وباء كورونا (كوفيد-19) إلى جعل الظروف مواتية للصناديق المليئة بالأموال مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي ومؤسسة “مبادلة” بأبو ظبي، ما جعلها تسرع إلى شراء مجموعة متنوعة من الأصول، وتلك الصناديق التي تدير مليارات الدولارات من عائدات النفط والغاز باتت تلعب دورًا محوريًا فيما يتعلق بتكوين الثروات على مستوى دول المنطقة. وهنا يبرز السؤال: لماذا تتعامل تلك الدول مع هذا الأمر بهذا القدر من الاستخفاف؟.

في الشهر الماضي قام صندوق الاستثمارات العامة السعودي بشراء حصة بنسبة 8.2% في شركة كارنيفال لرحلات السفن السياحية، كما اشترى أصول بشركات النفط والغاز مثل شركة شل الملكية الهولندية وتوتال و”إيني” و إكوينور، وقام السعوديون بقيادة مجموعة من المستثمرين لشراء حصة نسبتها 80% من نادي نيو كاسل يونايتد بالدوري الإنجليزي. وهناك صناديق أخرى مثل جهاز قطر للاستثمار الذي يمتلك برج شارد في لندن تبحث عن فرص مُماثِلة في هذا السوق الذي يتسم بالتقلبات، لكن من حاز على انتباه العالم فيما يخص هذا الأمر هي المملكة العربية السعودية.

وقد أدّت صفقات الشراء التي تمت مؤخرًا إلى تعليقات غاضبة ظهرت في الصحف المالية العالمية، ويُبدي أحد كُتّاب الأعمدة بصحيفة بلومبرج رأيه في هذا الأمر قائلًا: “حينما تكون تطلعاتك أكبر من مواردك المالية ستشعر بانجذاب سريع لشراء أشياء لمجرد الترفيه”، أما صحيفة فايننشال تايمز فقد تحاشت المبالغة لكنها عرضت نقاشًا مطولًا حول تفاصيل تلك الصفقات.

والمثير للدهشة هو أن كلتا الصحيفتين أخفقتا في إدراك الأمر، ولنأخذ صفقة شركة كارنيفال كمثال.

على مدار الأعوام الثلاثة الماضية باتت المملكة العربية السعودية منفتحة على السياحة العالمية، وكجزء من الإطار الاستراتيجي لرؤية 2030 للتنويع الاقتصادي، أقدمت المملكة على زيادة الاستثمارات في البنية التحتية السياحية بشكل هائل، فضلًا عن السماح لمواطني 72 دولة بالحصول على تأشيرة سياحية لدى الوصول، وتلك الإجراءات تتمتع بالأهمية فيما يخص تنمية الاقتصاد السعودي دون الاعتماد على النفط، ومع وجود الشواطئ البِكر على البحر الأحمر هناك فرصة مثالية للتنمية.

والواقع أن خطوة شراء حصة في إحدى أكبر شركات الرحلات البحرية على مستوى العالم تعُد خطوة منطقية، وسوف تشجع شركة كرنفال على توجيه المزيد من الرحلات إلى المملكة، كما ستكون بمثابة نقطة الانطلاق لتنمية السياحة حول البحر الأحمر، وبالنظر إلى الانهيار الذي أصاب أسهم شركة كارنيفال فإن توقيت شراء حصة في الشركة يعُد مثاليًا.

لكن ماذا عن المملكة العربية السعودية ونادي نيو كاسل يونايتد؟، على الرغم من أن الدوري الممتاز الإنجليزي يعُد صورة واضحة على الاستثمار في الكماليات، إلا أنه يعُد واحدًا من أكثر المنافسات الرياضية مشاهدة على مستوى العالم، وفي دولة تحرص على تقديم نفسها على أنها مقصدًا سياحيًا وتحرص على تغيير صورتها في عيون الملايين، فهناك مجالات أخرى بخلاف الدوري الإنجليزي من الممكن أن تكون واجهة لهذا الأمر.

أيضًا صفقات الشراء التي قامت بها المملكة في مجال النفط والغاز تعُد أمرًا صحيحًا على المدى الطويل، وذلك في ضوء وضع المملكة كأكبر دولة مُصدِرّة للنفط وعملية الاكتتاب العام لشركة النفط الوطنية أرامكو.

وبالعودة إلى العام 2008؛ قام مكتب أبوظبي للاستثمار بشراء حصة ضخمة في سوق العقارات الأمريكي الذي يمر بأزمة، وعلى مدار الأعوام الإثنى عشرة الماضية حصل مكتب أبوظبي للاستثمار على عائدات ضخمة جرّاء هذا الأمر، وهو الهيئة التي تملك ما يقارب 700 مليار دولار من الأصول والأموال السائلة والتي تعُد الآن من أكبر المُلّاك على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية.

ومؤخرًا قام مكتب أبوظبي للاستثمار أيضًا باستثمار 100 مليون دولار عبر 4 شركات للتكنولوجيا الزراعية من أجل افتتاح مراكز للبحث والتطوير في الإمارة، وهذا يتوافق بشكل دقيق مع الخطط الأشمل للإمارات العربية المتحدة لبناء اقتصاد قائم على المعرفة، وهناك صندوق آخر للاستثمار تابع لأبو ظبي هو “مبادلة” حيث يبلُغ رأس ماله 300 مليار دولار ويضع نصب عينيه الاستثمار في قطاع التكنولوجيا الصحية في الولايات المتحدة وأوروبا والصين، وكي ندرك حجم الأرباح المتوقعة من الاستثمار في هذا القطاع على المدى المتوسط والطويل يكفي أن ننظر إلى الموارد التي تم تخصيصها في إطار السباق نحو الوصول إلى لقاح لعلاج فيروس كورونا.

والمنطق السليم وراء عمليات الاستحواذ تلك لن يوقف الملاحظات الساخرة حول الإنفاق “المتهور” لدول الخليج في ضوء التوقعات التي تدعو للقلق والتي تشير إلى انكماش الاقتصاد.

وتلك الانتقادات لها ما يبررها إلى حد ما. ولا يوجد اقتصاد محصن ضد آثار انتشار فيروس كورونا، والضربة المزدوجة المتمثلة في انخفاض أسعار النفط والانهيار شبه التام لحركة السفر الدولية، قد الحق الضرر بعدة دول منها على وجه الخصوص الإمارات العربية المتحدة. وقد بات مستوى الديون التي تعاني منها تلك الاقتصادات يدعو إلى القلق.

وعلى أي حال فإن واقع الأمر يقول أن هذا الوباء مصيره إلى زوال، ويجب أن يكون هدف تلك الصناديق السيادية هو النظر إلى الأمام والاستثمار في أي من القطاعات التي تجلب العائدات على المدى الطويل للدول التي تمتلك تلك الصناديق، وصفقات الشراء الأخيرة توضح الأساليب الإبداعية التي تسير عليها تلك الصناديق تنفيذً لسياسة الدولة.

ويجب على أي شخص قبل أن يسخر من “عمليات الاستحواذ المتناثرة في الخارج” التي تقوم بها أكبر الصناديق السيادية على مستوى العالم، أن يحاول فهم معنى مصطلح صندوق الثروة السيادي، وتلك ليست وسيلة لتخفيف الديون على المدى القصير لكنها وسيلة لتكوين الثروة على المدى الطويل، والمناخ الاقتصادي الحالي الذي ينطوي على تحديات يستلزم تركيز الانتباه على المشكلات المُلِحّة، وعلى أي حال فإن دول الخليج تضع عينها أيضًا على المدى البعيد.

 

يعيش جوزيف دانا بين جنوب إفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.