المرحلة الأخير في مسيرة استئصال شلل الأطفال

مايكل جينينغز

Image courtesy of Javed Tanveer / AFP

لا يزال الجدري هو المرض الوحيد الذي تم القضاء عليه بالكامل عن طريق التطعيم على الرغم من عقود من تطوير اللقاحات، وبحلول نهاية عام 2026، تأمل المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال أن يضاف مرض شلل الأطفال إلى تلك القائمة القصيرة.

وشلل الأطفال المعروف باسم بوليماليتس، هو فيروس شديد العدوى يمكن أن يسبب الشلل أو الوفاة لدى المصابين، وتم التعرف عليه سريريا في عام 1789، ولا يوجد له علاج، والأمل الوحيد في الاحتواء يكمن في التطعيم.

ومنذ إطلاق المبادرة العالمية للقاحات والتحصين في عام 1988، انخفضت حالات شلل الأطفال العالمية بنحو 99 في المائة، وتم القضاء على نوعين من أنواع الفيروسات الشرسة الثلاثة. وقد أعلن أن جنوب شرق آسيا وأفريقيا خالية من فيروس شلل الأطفال، ولا يوجد الآن سوى بلدين لا يزال الفيروس متوطنا فيهما وهما أفغانستان وباكستان.

وازداد عدد الحالات في كلا البلدين منذ عام 2014، وتفاقمت تلك الحالات بسبب النزاعات والمشاكل الأمنية، والكوارث الطبيعية، وكوفيد-19، وكلها قوضت الجهود المبذولة لتطعيم المجتمعات المحلية. وفي أفغانستان، كان هناك 56 حالة تم الإبلاغ عنها رسميا في عام 2020، ما يمثل ارتفاعا من 29 حالة في العام السابق (ومن المحتمل أن يكون عدد الحالات التي لم يتم التبليغ عنها أكثر من ذلك بكثير). وفي عام 2020، شهدت باكستان 84 حالة إصابة بشلل الأطفال، وتم اكتشاف 20 حالة هذا العام بالفعل، معظمها في البؤرة الساخنة للفيروس في خيبر بختونخوا.

ويشكل الفشل في مكافحة شلل الأطفال المتوطن والقضاء عليه في هذين البلدين تهديدا صحيا يتجاوز حدود البلدين.

ويجب التغلب على ثلاث تحديات إذا أردنا القضاء على شلل الأطفال مثل ما وقع مع الجدري. أولا، على الصعيد العالمي، يحتاج المانحون إلى زيادة التزامهم المالي بالمبادرة العالمية لحملة التطعيم. ثانيا، يتعين على المؤسسات الحكومية الوطنية وخاصة الوطنية المحلية أن تنسق الجهود الرامية إلى الوصول إلى جميع المجتمعات المحلية وأن تحدد أولوياتها على نحو أفضل، ويتمثل التحدي الأخير، والأكبر، في الحد من انعدام ثقة المجتمع المحلي والتردد في أخذ اللقاحات في أماكن مثل أفغانستان وباكستان.

وفي قمة الصحة العالمية التي عقدت في برلين الشهر الماضي، تعهد المانحون بتقديم 2.6 مليار دولار بما في ذلك 1.2 مليار دولار من مؤسسة بيل وميليندا غيتس لتمويل استراتيجية القضاء على شلل الأطفال التي وضعتها المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال. ومع ذلك، فإن ذلك يترك عجزا كبيرا يبلغ حوالي 1.9 مليار دولار. وفي ظل المناخ الحالي من عدم الاستقرار العالمي والمالي، قد لا يكون المانحون راغبين في أنفاق المزيد من الأموال، حيث كانت هناك انتقادات كبيرة للمملكة المتحدة، على سبيل المثال، لخفضها تمويلها للقضاء على شلل الأطفال بنسبة 95 في المائة في العام الماضي.

وقد جعل ذلك من دور المانحين الإقليميين أكثر أهمية. فالإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، ما فتئت تدعم منذ أمد بعيد جهود الاستئصال، ولا سيما في باكستان؛ ومنحت الإمارات أكثر من 200 مليون دولار منذ عام 2014 لدفع ثمن 600 مليون جرعة من اللقاح، وحماية لأكثر من 100 مليون طفل. وفي خضم النقص الدولي، قد يجد المانحون في الشرق الأوسط أنفسهم تحت ضغط متزايد لتوفير المزيد من التمويل.

والتمويل الدولي مهم، ولكن الالتزام والدعم على الصعيدين الوطني والمحلي أمران حاسمان أيضا لضمان نجاح حملات مكافحة شلل الأطفال. ويتعين على الحكومات أن تكفل وجود بنية تحتية ملائمة وإمكانية وصول آمنة للعاملين الصحيين، ومع ذلك، فغالبا ما تعاني الحكومات على مستوى المقاطعات من ندرة الموارد وتجد صعوبة في التوفيق بين الأولويات المتعددة والمتنافسة في بعض الأحيان.

وفي باكستان، حولت الفيضانات الأخيرة الانتباه والإنفاق عن البرامج الأخرى، ولكن الكوارث وفرت أيضا فرصة، فكجزء من الاستجابات الإنسانية، استخدمت المرافق الصحية الطارئة لتوفير التحصينات الروتينية، بما في ذلك اللقاحات ضد شلل الأطفال، للأطفال المتضررين.

بل إن جهود القضاء على المرض في أفغانستان محفوفة بالمخاطر، فقد حظرت العديد من إدارات المناطق التي تسيطر عليها طالبان حملات شلل الأطفال المحلية قبل عام 2021، ومنذ سيطرتها على الحكومة المركزية في أغسطس من العام الماضي، استأنفت طالبان البرنامج الوطني. لكن المناطق النائية لديها بنية تحتية أقل، ويصعب الوصول إليها، وغالبا ما يحكمها مسؤولون محليون والذين يقدمون دعما أقل، ولا يمكن لفرق التحصين الوصول إلى ما يقدر بنحو 700,000 طفل أفغاني.

ويتمثل التحدي الأكبر في تجاوز التردد والخشية من أخذ اللقاحات في المجتمعات التي تشكك بقوة في الحملات الصحية، ويمكن للوالدين رفض السماح بتطعيم أطفالهم، ويمكن أن يواجه العاملون الصحيون تهديدات بالعنف، وهذا لا يترك تلك المجتمعات في خطر كبير فحسب، بل يخلق أيضا جيوبا لعيش الفيروس والتي يمكن أن تحدث منها عودة إقليمية وحتى عالمية أوسع نطاقا.

وللقضاء على شلل الأطفال، يجب أن تكون التغطية بالتحصين مرتفعة، ويستخدم اللقاح الأكثر شيوعا نوعا ضعيفا من الفيروس، ولكنه لا يزال حيا. وفي المجتمعات التي تم تطعيمها بشكل جيد، فإن ذلك الفيروس الضعيف، الذي يخرج من الجسم وبالتالي يمكن أن ينتقل، غير ضار. ولكن في الأماكن التي لا تزال فيها أجزاء كبيرة من المجتمع غير ملقحة، يمكن أن يتحور اللقاح إلى سلالات يمكن أن تخلق شلل الأطفال العرضي، بما في ذلك الشلل.

وقد ظل ذلك الشكل – المعروف باسم فيروسات شلل الأطفال المنتشرة المشتقة من اللقاحات – ينمو على الصعيد العالمي على مدى العقد الماضي، ومع تفشي المرض مؤخرا في أجزاء من أفريقيا التي قضت على فيروس شلل الأطفال الشرس، من الضروري بذل جهود أكبر للمشاركة والعمل مع المجتمعات المحلية إذا أريد للتطعيم أن ينجح، وإذا أريد القضاء على أشكال الفيروس الشرسة وفيروس شلل الأطفال الدائر المشتق من اللقاحات.

والتردد في أخذ اللقاح لا يتعلق فقط بعدم الثقة والجهل، ففي شهر فبراير قتل ثمانية من العاملين في مجال شلل الأطفال في شمال أفغانستان، وذلك يظهر كيف يمكن للسياسات والتوترات المحلية والوطنية وحتى الدولية أن تخلق حالة من عدم الثقة والشك حول حملات التطعيم، مما يقوض الجهود المبذولة للسيطرة على الفيروس.

وبعد أن أفادت التقارير أن الولايات المتحدة استخدمت حملة تطعيم وهمية كجزء من جهودها للقبض على زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في باكستان في عام 2011، فقد زادت الحملات المناهضة للقاحات والهجمات على الملقحين، مما أدى إلى انخفاض ملحوظ في معدلات التطعيم في أجزاء من البلاد.

وتمثل السنوات الأربع المقبلة فرصة للقضاء على شلل الأطفال للأبد. ولكن القيام بذلك سوف يتطلب التنسيق لضمان التصدي للتحديات العالمية والوطنية والمحلية، وسيكون الفشل في ضمان توفير التمويل المالي الكامل، وتحسين التنسيق، وكسب ثقة المجتمعات المحلية فرصة ضائعة، وإذا ضاعت تلك الفرصة فستكون العواقب كارثية.

 

مايكل جينينغز هو أستاذ في التنمية العالمية في جامعة “أس أو أي أس” في لندن، حيث يعمل على القضايا المتعلقة بالصحة العالمية وسياسات وتاريخ التنمية العالمية.