أظهر مقتل رائد فارس الى أي مدى تعاني ثورة الأفكار السورية

فيصل اليافعي

معتليًا منصة منتدى أوسلو للحرية في العام الماضي، قدم رائد فارس، ذلك الناشط ذو الشخصية الجذابة والطبع اللطيف والذي أصبح أحد وجوه الثورة السورية انطلاقًا من بلدته الصغيرة “كفرنبل” والتي تقع في الجزء الشمالي الشرقي من البلاد، إلى الحضور صورًا فوتوغرافية للآثار المدمرة للقصف الجوي الذي ينفذه النظام السوري. وبعدها، طرح رائد ذلك السؤال الذي طرحه ملايين السوريين على أنفسهم على مدار أعوام منذ العام 2011، ذلك السؤال الذي طُرح بعد أن بكى الآباء حزنًا على فراق أبنائهم، وبعد أن نعت الأسر منازلها المدمرة، وبعد أن تجمعت قرى بأكملها في معسكرات للنازحين: فهل يحتاج هذا السؤال إلى كل هذا؟”

فهل الموت والدمار والنزوح هو الثمن المناسب لمحاولة إزاحة النظام عن الحكم؟ وحاول فارس إخبار الحضور، بل والعالم الذي لا يعبأ بالأمر بصورة كبيرة، عن سبب كون محاولة إزاحة النظام عن الحكم تستحق هذا الموت والدمار والنزوح. فبعد مرور سنوات على اندلاع الثورة، نسي الناس أسبابها، وحل محلها غريزة البقاء ووسائل النزوح والرحيل عن البلاد، ولقي العديد حتفهم ممن اقترحوا سياسات جديدة للبلاد، ومنهم فارس حيث أطلق عليه رجال مقنعون النار الأسبوع الماضي فأردوه قتيلاً.

هناك العديد من الأفكار التي أفرزتها الثورة السورية، ومنها أفكار تتعلق بما كانت عليه سوريا ومستقبلها، غير أن تلك الأفكار تلاشت وحل محلها التركيز على أمن البلاد واستقراره، ذلك أن الحرب الأهلية السورية لم تترك قدمًا لأي سياسي، سوى هؤلاء الذين يحملون السلاح. هذا وتتعرض الحركة المؤيدة للديمقراطية، والتي يمثل فارس جزءًا منها، للتفكك، حيث أنها أصبحت جسدًا منهك ومدينة مدمرة في وقت واحد. ولأنها أكثر من مجرد مأساة شخصية، أظهر مقتل “رائد فارس” أن الأفكار الخاصة بالثورة السورية تحتضر كليًا.

كانت الثورة السورية أولاً وقبل كل شيء، ثورة أفكار شأنها في ذلك شان ثورات الربيع العربي. ولم تشهد الثورة السورية سوى فترات قصيرة تم خلالها طرح جميع الأفكار الخاصة بمستقبل سوريا، ابتداءً من اللبراليين الذين يريدون سياسة تساوي بين المجتمعات بمختلف الأجناس والأعراق، وصولاً إلى المحافظين الذي يريدون مساحة أكبر لتطبيق العقائد في السياسة.

غير أن الواقع الذي مرت به البلاد عبر سنوات الحروب أدى إلى تآكل تلك الأفكار. فقسوة المعيشة تحت الحصار والتعرض للهجوم بالقنابل والمدافع، في العديد من الأماكن دون وجود طعام كافي أو مصدر للكهرباء، جعلت الأمر إنسانيًا أكثر منه سياسياً، فالعديد لم يكن له إلا التركيز على نفسه وأسرته والمحيطين به مباشرة.

كما تلاشت أفكار التغيير السياسي، وتعرض كل من يرغب في وسائل مختلفة لممارسة السياسية داخل سوريا للاختفاء أو النفي أو الإنهاك، أمثال المتوفى “رائد فارس”، فضلاً عن حل أو نفي الجماعات التي تمتلك أفكار سياسية حقيقة عن مستقبل سوريا، وانتهت الحركة المؤيد للديمقراطية والتي ينتمي إليها “فارس”، وبالنسبة لفارس كان التأييد يقتصر على مدينته الصغيرة “كفرنبل”، ولغيره كانت التأييد على الحدود مع اسطنبول وبرلين.

وأصبح التركيز الآن على أمن البلاد واستقرارها، وأصبح النزاع غير سياسي. وأصبح الأمر جليًا الآن أنه لا يوجد، ابتداء من حكومات الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وتركيا المشاركة في هذا الصراع، وصولاً إلى القوى الغربية والتي تنأى بنفسها عن هذا الصراع بدرجة كبيرة، من يتحدث الآن عن الحل السياسي في سوريا، فلم يعد ثمة مكان للسياسيين، بل لغة الأمن فقط.

والمقصود بلغة الأمن هو العودة بالوضع السوري إلى ما قبل الثورة، عندما كانت سوريا واحدة من الأماكن القليلة في الشرق الأوسط التي لم يكن لمدني أن يموت فيها بهجمات إرهابية، وأن تعود سوريا بدون سياسة، وذلك عندما كان النظام يأخذ قراراته خلسة وعلى الشعب القبول بهذا الأمر في سبيل الاستقرار، وأن يخلو النزاع من الصبغة السياسية وهو التركيز على إنهاء الحرب بدون الاهتمام بتسوية سياسية لاحقة.

ومن قبيل الصدفة أن المجموعتين اللتين تعقدان مباحثات سياسية ولكليهما رؤية حول مستقبل سوريا بعد الحرب، وهما النظام والإسلاميين، تمتلكان أسلحة للدفاع عن أفكارهما السياسية، وهذا بالتحديد هو تبادل إطلاق النار الذي أودى بحياة “فارس”.

وهناك حارب تدور رحاها داخل محافظة إدلب، آخر المراكز المأهولة بالسكان والتي لم تصل بعد إلى قبضة النظام، بين المجموعات الإسلامية، وفي الأساس بين هيئة تحرير الشام التي كانت تتبع تنظيم القاعدة سابقًا، وأي عدو آخر. وحتى الآن، ماتزال المفاوضات منعقدة بين الأتراك والروس بشأن اتفاقية نزاع السلاح، ولا يعتقد أحد أن هذا الحل سيستمر طويلاً.

وستشهد محافظة إدلب، عاجلاً أم آجلاً، مواجهة مسلحة، ولهذا وضعت المجموعات المسلحة نصب أعينها محو أي عدو لها استعدادًا لتلك المواجهة. فالإسلاميون يرغبون في ضمان أن يكونوا هم البديل الأجدر والأوحد للنظام أو تركيا، سواء لمعاونة النظام أو مساندة الاحتلال التركي، وبهذا الوضع قد يقبل السكان المحاصرون بين بديلين كلاهما مر بوجود تلك الجماعات.

وعلم “فارس” هذا الأمر جيدًا، ولهذا حذر قائلاً “إن الشعب السوري ضحية لصورتين من صور الإرهاب، فهناك إرهاب الأسد من جانب، وإرهاب تنظيم الدولة “داعش” والإرهابيين من جانب آخر.”

وبعد مرور يوم على جنازته، كانت اللافتات ترفرف في مدينته “كفرنبل” ومكتوب عليها “ربما قتلوك، لكنك مازلت معنا كروحنا”. والطريقة الأفضل لتكريم النشطاء من أمثال “فارس” وتخليد ذكراهم هو أن يظل من يخلفهم مساندًا لأفكار الديمقراطية والمجتمع المدني وأن يذكر بها ويستند إليها ويحاول تطبيقها حتى وإن كان محاطًا بأصوات الأمن والاستقرار.

ومازال هناك مكان في سوريا للحلول السياسية، والنقاش الحقيقي حول تنظيم المجتمع، ورغم ذلك نجد أن النقاش لا بد وأن يتم وسط من يحملون السلاح للترويج لأفكارهم الخاصة ويسعون حرفيًا للقضاء على أي بديل لهم.

AFP Photo/Muhammad HAJ KADOUR