تجاهل مخاوف دول الخليج كان أكثر الأخطاء جسامة في الاتفاق النووي الإيراني

حسن الحسن

بعد الإعلان عن قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، انتقد دونالد ترامب الاتفاق لفشله في مواجهة الدعم الإيراني للإرهاب وأنشطة إيران الرامية إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، أكثر من انتقاده لمعظم التداعيات الأخرى لهذا الاتفاق. وعلى مدار السنون، كانت دول المملكة العربية السعودية والإمارات وإسرائيل وغيرها من دول المنطقة تمارس الأمر ذاته. وفي ظل إدارة باراك أوباما، تم تجاهل مخاوف تلك الدول. ورغم ذلك، ومع تولي ترامب الرئاسة، أصبحت تلك الدول قادرة على توضيح الوضع الإقليمي المتفاقم كدليل على أن الاتفاق كانت مضاره أكثر من فوائده. وفي نهاية المطاف، أشار قرار ترامب بوضوح إلى أن الخطأ الأكبر في الاتفاق النووي الإيراني كان تجاهل مخاوف الدول المجاورة لإيران، وقدرة تلك الدول على مواجهة هذا الاتفاق بشكل فعال. ولكن يبدو أن معالجة الأمر قد فات أوانه.

من وجهة نظر الدول الإقليمية، ساعدت خطة العمل الشاملة المشتركة، وفقًا لمسماها الرسمي، الإيرانيين على تطوير حملتهم الشعواء نحو التوسع الإقليمي – والتي حصدت الكثير من الأرواح مقارنة بما حصده برنامجها النووي والصواريخ الباليستية معًا. ورغم ذلك، دافعت إدارة “أوباما” أثناء مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني عن عدم مناقشة الأنشطة الإيرانية الرامية إلى زعزعة استقرار المنطقة، محتجة في ذلك بأن تجاهل هذه المناقشة ساعد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من دول المنطقة على التصدي للإيرانيين بشكل أكثر قوة بخصوص رعايتها للإرهاب، دون النظر إلى مدى تقدم الملف النووي.

ورغم ذلك، ومن الناحية العملية، لم تتوقف إدارة أوباما عن ذكر الحجج التي تثبت بها صحة موقفها. وكان أول تلك الحجج هو أن الاتفاق كان مانعًا لمواجهة أكثر شراسة مع الإيرانيين بشأن أنشطتها الرامية إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة. وفي حقيقة الأمر، كان الجميع يعلم أن إدارة أوباما تتبع السياسة الناعمة مع الدعم الإيراني للإرهاب مخافة أن الإجراءات الصارمة قد تضر بالاتفاق النووي مع الإيرانيين. وفي ديسمبر من العام الماضي، أزاحت صحيفة “بوليتيكو” الستار عن أن إدارة أوباما قد أغلقت تحقيقًا تجريه وكالة مكافحة المخدرات الأمريكية بشأن ممارسة حزب الله لتجارة المخدرات على نطاق عالمي، وفي هذا حماية لهذا الكيان الإرهابي الموالي لإيران من المقاضاة. فسرت العديد من دول المنطقة أيضًا فشل إدارة أوباما في حظر استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا في العام 2013 على أنه امتياز تمنحه إدارة أوباما للإيرانيين لضمان تمسكها الدائم بالمفاوضات.

فشل الاتفاق أيضًا في تحويل إيران إلى دولة مسؤولة، ويبدو أن النقيض قد حدث. ونقلاً عن صحيفة “وول ستريت”، حصلت إيران بموجب هذا الاتفاق على مبلغ غير متوقع قدره “10” عشرة مليارات دولار أمريكي في شكل أصول مالية مباشرة. واستغلت إيران هذا المبلغ في زيادة الدعم المقدم إلى وكلائها في سوريا ولبنان واليمن. وكنتيجة لهذا الدعم، فقد سحق الرئيس السوري بشار الأسد خصومه بشكل عملي، مانحًا الإيرانيين جسرًا بريًا يمتد عبر العراق وسوريا للوصول إلى البحر المتوسط. ونتيجة لذلك، تمكنت إيران من زيادة وجودها العسكري في سوريا حيث تبني الآن قواعد عسكرية وتجهز مواقع ليست بعيدة عن الحدود مع إسرائيل من أجل إطلاق الصواريخ الباليستية.

وبسبب سياسة إدارة أوباما تجاه إيران والاتفاق النووي، توترت علاقة الولايات المتحدة الأمريكية مع دول الخليج وإسرائيل. وفي العام 2015، وصلت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية إلى أسوأ مراحلها بعد أن أعلنت المملكة العربية السعودية عن عملياتها العسكرية في اليمن دون إبلاغ الولايات المتحدة الأمريكية، وهي خطوة غير مسبوقة على الإطلاق. ومن ثم، تحركت إدارة أوباما سريعًا لتحسين العلاقات مع دول الخليج، ودعت إلى عقد قمة على مستوى رؤساء الدول في منتجع “كامب ديفيد” في وقت لاحق من هذا العام. ورغم ذلك، كان غياب الملك سلمان- ملك المملكة العربية السعودية، والملك حمد- ملك دولة البحرين، رسالة واضحة عن مدى سخط دول الخليج. ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج قد وقعا على اتفاقيات كامب ديفيد، والتي تشجع دول الخليج على تهدئة وتيرة انتقادها للاتفاق النووي الإيراني، إلا أن بعض الوعود الأمريكية، ومنها إقامة تدريبات عسكرية واسعة النطاق في دول الخليج، لم يتحقق مطلقًا. فكرت إدارة أوباما أيضًا في تحسين العلاقات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنتياهو”، وفي العام 2016، وقعت إدارة أوباما على حزمة المساعدات العسكرية الأكبر من نوعها إلى إسرائيل، وتقدر قيمة تلك الحزمة بـ “38” مليار دولار أمريكي. وكان لهذا الإجراء نجاحه المؤقت في تخفيف حدة النقد تجاه الاتفاق مع إيران.

ورغم ذلك، ومع تولي “ترامب” رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، توقفت فجأة كافة الرهانات على مستقبل الاتفاق النووي الإيراني. وهنا استغلت دول إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة الفرصة وبذلت جهود ضاغطة للتأثير على الإدارة الجديدة – ومن تلك الجهود توطيد علاقاتهم مع “جاريد كوشنر” – ليناهض استمرار الاتفاق. فضلاً عن ذلك، جاء رحيل “ريكس تيلرسون” (والذي سبب موقفه من قطر إزعاجًا للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة) وتعيين “جون بولتون” و”مايك بومبيو” (وكلاهما أعلن تأييده لإنهاء الاتفاق) في اللحظة المناسبة لدائرة ترامب الداخلية السياسية. وقبل أسبوع من تخلي ترامب عن الاتفاق النووي، كشفت إسرائيل عن معلومات استخباراتية هامة تدعي فيها أنها أثبتت سعي إيران نحو امتلاك أسلحة نووية، استعدادًا لمرحلة الانسحاب الأمريكي. وبعد الإعلان عن قرار ترامب، أصدرت دول المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين بيانات عاجلة ترحب فيها بالموقف الأمريكي.

وعلى الرغم من مخاطر هذا القرار، إلا أن الانسحاب من الاتفاق النووي في هذه المرحلة لن يكون له معنى يذكر من الناحية الاستراتيجية، لأن الولايات المتحدة الأمريكية اهدرت بالفعل مواردها المالية على إيران وذلك من خلال سداد قيمة الاتفاق مقدمًا. وبالنظر إلى افتقار قرار ترامب إلى دعم باقي الأطراف الموقعة على الاتفاق، فمن الصعوبة بمكان تطبيق عقوبات عالمية أو حشد تحالف دولي آخر لممارسة الضغط على إيران. بالإضافة إلى ذلك، إذا فشل الأوربيون في تقديم محفزات اقتصادية كافية إلى إيران لضمان التزامها بالاتفاق، فمن المتحمل أن تستأنف إيران تخصيب اليورانيوم خلال أشهر قليلة، والبدء على ما يبدو في سباق التسلح النووي مع المنافسين الإقليمين كالمملكة العربية السعودية. قد يكون لهذا القرار أهمية منذ ثلاث أو أربع سنوات سابقة، ولكنه من غير المؤكد الى حد كبير ما إذا كان القرار في تلك الأيام سيؤدي إلى شرق أوسط آمن وأكثر استقراراً.

حسن الحسان، باحث لنيل درجة الدكتوراه في كلية الملك بلندن والجامعة الوطنية بسنغافورة، وفيها ينصب بحثه على السياسية الهندية الخارجية في الشرق الأوسط. وكان حسن الحسان قبل ذلك كبير المحللين بمكتب النائب الأول لرئيس وزراء البحرين.

AFP PHOTO/BEHROUZ MEHRI