عن أقطاب الفكر في مدينتي النجف وقم: التحدي الحقيقي لإيران في العراق سيكون دينيًا وليس سياسيًا

فيصل اليافعي

يواجه مقتدى الصدرالعديد من الأعداء، وقدكان فيما مضى رجل دين عراقي مفعمًا بالحماس وعاد إلى الواجهة مرة أخرى كسياسي وطني وتربعت كتلته على قمة الانتخابات العراقية الشهر الماضي. أثناء الاحتلال الأمريكي لدولة العراق، أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية بشكل علني مذكرة توقيف بشأنه، غير أنها لم تحاول مطلقًا تنفيذ مذكرة التوقيف تلك. وهناك أيضًا أعداء تتربص به شرقي العراق. وبالرغم من الدعم الإيراني لمقتدى لصدر، وتعرضه للنفي فيها لفترة زمنية، إلا أن طهران أفصحت عن مشاعرها تجاه الصدر في الفترة التي تسبق الانتخابات عن طريق مستشار “آية الله خامنئي” الذي قال بأن الدولة ستمنع تحالف الصدر من الوصول إلى سدة الحكم.

ولكن كما فعلت إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية على مدار عشر سنوات مضت، قد يتعين على إيران التأقلم مع مقتدى الصدر الذي أبدى تعاطفًا وطنيًا جارفًا تجاه سخط الناخب العراقي من التدخل الأجنبي في شئونه. واعتلت كتلة الصدر المسماة “سائرون” قمة الانتخابات، غير أن رجل الدين نفسه لن يكون رئيسًا للوزراء، لأنه لم يتأهب للانتخابات. وعوضًا عن ذلك، يحتاج ائتلاف “سائرون” إلى إبرام تحالف مع بعض الأحزاب الأخرى، وبدورها ستراقب دول العراق والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية الوضع عن كثب لملاحظة أي دلائل تشير إلى رغبة الصدر في العمل بشكل عام في إطار النظام العراقي.

وإلى الآن، تبدو الدلائل جيدة، حيث التقى الصدر بعد الانتخابات مع كلٍ من رئيس الوزراء الحالي “حيدر العبادي” والذي حل حزبه ثالثًا في الانتخابات، و”هادي العامري” الذي حلت كتلته الموالية لإيران ثانيًا في الانتخابات، وذلك لمناقشة مسألة التحالف. وإن كان الصدر سيكون عامل الحسم، فقد تحلى بالتأني للتعرف على الشخص الذي يضع مصلحة العراق أولاً.

وكما هو الحال مع الكثير من مظاهر العراق الحديثة، فإن المناخ السياسي لا يعدو جزءًا واحدًا من القصة. وقطعًا، تواجه إيران تحديات من جانب سياسيين مثل مقتدى الصدر بخصوص نفوذها داخل العراق، غير أن التحدي غير المعلن هو التحدي الأكبر والمتمثل في التعاليم الدينية والتي تضاف إلى الأمور الأكثر جدلاً –والأشد خطرًا –كالفكر الديني والقيادة السياسية.

وللتعرف على ماهية التحدي، من الضرورة بمكان التعرف على المدينتين الحيويتين للإسلام الشيعي، وهما مدينتي “النجف” الواقعة في جنوب العراق، و”قم” الواقعة في شمال إيران. فكلتا المدينتين كانتا مركزًا للفكر الشيعي على مدى قرونًا من الزمان، وتحتفظ كلتاهما بقدر من الاستقلالية رغم التدخل الحكومي الشديد، وتحدد كلتا المدينتين بصورة كبيرة شكل دولة العراق في السنوات القادمة.

إن أبرز زعماء المجتمع العراقي ذو الأغلبية الشيعية هو المرجع الديني الأعلى “آية الله على السيستاني” ذلك المرجع الديني الطاعن في السن والمقيم في مدينة النجف” والمولود في إيران. نادرًا ما تدخل السيستاني في السياسة، واقتصر دوره على إصدار بيانات مرات قليلة منذ الغزو الأمريكي في عام 2003، وكانت في الغالب لتوجيه النصح لشيعة العراق بالانخراط في السياسات، وطالب في إحدى بياناته من رجال الشيعة مقاومة تنظيم الدولة.

ينتمي السيستاني إلى التقاليد المديدة للقيادة الدينية في مدينة النجف والتي تنأى بنفسها عن السياسة، حيث يرفض الفكر النجفي فكرة أن الشخصيات الدينية يجب أن تكون قادة سياسيين، وهذا هو التناقض الرئيسي مع مدينة “قم” حيث تقبل المدينة فكرة “ولاية الفقيه” أو حكم رجل القانون، وهي الأيدلوجية الملهمة لإيران منذ ثورة 1979.

إن فكرة وضع حد مناسب بين الشئون الدينية والدولة، والتي عادة ما يعبر عنها الغرب في شكل الفصل بين الكنيسة والدولة، هي واحدة من المشكلات الفلسفية الأساسية للدول القومية سواء في الغرب أو العالم الإسلامي أو أي مكان آخر.

في الإسلام الشيعي، فصل علماء مدينة النجف فصلاً كاملاً بين الشئون الدينية والدولة، مانحة الحكم السياسي إلى الحكام. غير أن علماء مدينة “قم” جمعوا بين الأمرين، ونصبوا رجل دين على قمة الهيكل السياسي.

إن ما يبدو وكأنه جدال فلسفي غير واضح كان له بالفعل تداعيات كبيرة حول الطريقة التي ينظم بها المجتمع العراقي شئونه، ولاسيما الطريقة التي يعرب بها المذهب الشيعي عن إيمانه بالسياسة.

إذا كان الشيعة أكثر تأثرًا بعلماء مدينة النجف، فإنهم سيميلون إلى رؤية السياسة بمنأى عن نطاق العقيدة، مما يؤدي إلى ترجمة مصالح دولة العراق بصورة أكثر وطنية، ومن ثم من المحتمل أن يرى شيعة العراق أنهم عراقيين في المقام الأول، مما يؤدي إلى توطيد الصلة مع السنة العراقيين، وربما مع الدول العربية السنية من خلال الهوية العربية.

وعلى الجانب الآخر، إذا تأثر الشيعة بعلماء مدينة “قم”، فسيؤدي هذا الأمر إلى تمهيد الطريق للمزيد من التأثير الديني على السياسة، فضلاً عن الآثار الممتدة لهذا الأمر والمتمثلة في أن إيران باعتبارها تابعة لفكر مدينة “قم” ستكون أكثر نفوذا، ومن ثم سيرى شيعة العراق أن معتقدهم الديني هوية أكثر أهمية ويستند عليها علاقات متميزة وبالتالي توطيد العلاقة مع إيران.

وبالتالي من الواضح بمكان، وبعيدًا عن الجدال الفلسفي المحض، أن نتائج مناقشة فكر مدينتي النجف وقم كان له تأثيرات سياسية عميقة وتعلمها طهران جيدًا، ولهذا يتمسك مقتدى الصدر تمسكًا شديدًا بمعسكر النجف الذي يؤمن بفكرة أن القيادة السياسية لا تذهب تلقائيًا إلى الشخصيات الدينية.

كلما زاد نفوذ الصدر سياسيًا، زاد أيضًا نفوذ علماء النجف، وهو أمر له تداعيات خطيرة طويلة الأمد على إيران. وبالرغم من كل هذا، كانت الحكومة الإيرانية منذ مدة طويلة المدافع الرئيسي عن المسلمين الشيعة، وحتى عن المسلمين بوجه عام. إن التخلص من الإيمان بولاية الفقيه، وفكرة أن رجل الدين يجب أن يكون رئيس الدولة السياسي، يؤدي إلى تلاشي دعم “النموذج الإيراني”. وفي هذا تهديد للنفوذ الإيراني في البلد المجاور لها أكبر من التهديد الذي تواجه في انتخابات واحدة.

والآن، من المحتمل أن تضطر إيران إلى التعاون مع مقتدى الصدر، بيد أن أكثر ما يقلق طهران هو حدود السلطة السياسية التي يطمح إليها مقتدى الصدر وليس الدعم المنتظر منه.

AFP PHOTO / Haidar HAMDANI