الجائحة العالمية تساوي بين الغرب و”باقي دول” العالم

فيصل اليافعي

AFP Photo:courtesy of ANSA

بالرغم من العبارة الطنانة “كلنا في مركبٍ واحد”، والتي يرددها العديد من القادة السياسيين كصرخة حاشدة خلال جائحة فيروس كورونا المستجد، يتضح لنا مع مرور الأيام مدى ضحالة هذا الشعار.

ومثلما كشفت عمليات الإغلاق على مستوى الدول عن فجوات كبيرة بين الأغنياء والطبقات الأشد فقرًا في كل مجتمع – وحتى بين الفئات المختلفة في الطبقة الوسطى – فإنها كشفت أيضًا عن فجوات بين البلدان. وقد أعلنت بعض البلدان انتهاء الأزمة فعليًا. وهناك من ينهي الإغلاق بحذر، وهناك من لم يشهد الأسوأ بعد.

وقد كشف الحظر أكثر من أي وقت مضى عن هذا وهم معظم الافتراضات السياسية التي تقول بوجود عالمين أحدهما متقدم والآخر نامي. والدليل على ذلك هي المساعدات.

فمع تفشي الجائحة في أوروبا، وصلت المساعدات من جهات غير متوقعة، وأرسلت تركيا مساعدات طبية إلى إسبانيا وإيطاليا، وكلاهما من الدول الغنية وفيرة الناتج المحلي الإجمالي. وأرسلت روسيا إلى إيطاليا طائرة محملة بالمساعدات في ظل قدرٍ كبير من الدعاية، مما دفع أحد كبار القادة العسكريين في حلف “الناتو” إلى التعبير عن “قلقه”.

وخلال هذا الأسبوع فقط، تكون دولة الإمارات العربية المتحدة قد أرسلت حتى الآن شحنات تحمل ما مجمله أكثر من 450 طناً من المساعدات إلى 27 دولة في كل قارة. وبالأرقام المطلقة، تفوق تبرعات دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من تبرعات أي دولة أخرى تقريبًا. وتحظى جميع البلدان المتلقية للتبرعات بنفس القدر من الاهتمام: وكانت الإمارات العربية المتحدة من أوائل الدول التي تبرعت بمعدات طبية للصين بعد وقت قصير من تفشي الجائحة، ثم ساعدت المملكة المتحدة في إنشاء مستشفى ميداني كبير لحالات الطوارئ في لندن. كما أرسلت دولة الإمارات مساعدات إلى إيطاليا ودول أوروبية أخرى.

وبالطبع، أرسلت الصين – الدولة الغنية ولكنها ليست متقدمة بالكامل – معدات وخبراء طبيين إلى إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وأماكن أخرى في أوروبا.

ومن منظور القرن العشرين، فتلك الأعمال جميعها محيرة إلى حد ما. فكيف يمكن للدول التي كانت تعتبر حتى وقت قريب نسبياً جزءًا من العالم الثالث (أو دول “العالم الثاني” ما يُطلق عليها نادرًا، كما في حالة روسيا والصين)، أن ترسل المساعدات إلى دول العالم الأول؟

والسؤال هو جزء من المشكلة. فقد باتت الأطر السياسية المعمول بها في القرن العشرين غير ملائمة للواقع. وكل ما يمكن قوله على وجه اليقين هو أن النماذج القديمة للبلدان المتقدمة والنامية لم تعد سارية. وتلاشت الفوارق بين الغرب و “باقي الدول”.

وألمح رئيس وزراء الهند إلى هذا الأمر في الشهر الماضي خلال الاجتماع الافتراضي لمجموعة العشرين. وتساءل رئيس وزراء الهند: لماذا تشكل دول مجموعة العشرين “80%” من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأيضًا “90%” من حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″ على مستوى العالم، و”88%” من الوفيات؟”. وبما أن مجموعة العشرين تمثل ثلثي سكان العالم فقط، فإن هذا الاختلال شديد الوضوح.

وحتى بين أعضاء مجموعة العشرين، والدول الأكبر المشاركة في الاجتماع، يأتي توزيع تأثير الفيروس بشكل غير متساوٍ. فمن بين أصغر بلدين شاركا في الاجتماعات بصفة مشاركين، سجلت سنغافورة 14 حالة وفاة فقط بسبب فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، في حين سجلت سويسرا، وهي التعريف الفعلي للبلد الغربي الغني والمستقر، 1.614 حالة وفاة. وعند مقارنة تلك الأرقام بحجم السكان، نجد أن معدل الوفيات في سويسرا أكثر بعشر مرات (على الرغم من أن معدل الوفيات في سنغافورة قد يرتفع بسبب الموجة الثانية من العدوى).

إن ظاهرة الدول غير الغربية التي تقدم المساعدة لا تقتصر على هذه الأزمة. ومن الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر مانح للمساعدات الخارجية. لكن لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي تراقب التنمية الدولية بين أكبر الجهات المانحة للمساعدات في العالم، تمتلك ثاني أكبر تجمع لها خارج دول أوروبا والمتمثل في أربع دول من مجلس التعاون الخليجي، وهي: السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر.

ومن الواضح أن هناك تحول. ولكن من الصعوبة بمكان تفسير أسبابه.

ومن الطرق المتبعة لمعرفة أسباب هذا التحول هو ملاحظة بعض العوامل التي قد تفسر الأنماط المختلفة التي اتبعتها البلدان المختلفة أثناء الجائحة. فعلى سبيل المثال، نجد أن الدول التي تعاملت جيدًا مع تفشي الفيروس يقودها على الأرجح امرأة. ويشير قبول السكان للمراقبة الحكومية في الدول الآسيوية إلى أن تتبع كل من تواصل مع المريض كان إجراءًا ناجحًا للتعامل المبكر والشامل مع الفيروس.

ويأتي بعد ذلك التفسير غير المألوف. وسيلاحظ المحللون، الذي يتصرفون وفقًا للافتراض المقبول بأن الدول الغربية أفضل من غيرها، أن ثمة ارتفاع في عدد القتلى في الولايات المتحدة الأمريكية، وسيبحثون عن تفسير غير معهود لهذا الأمر – وفي هذه الحالة سيكون هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها.

إن علو “باقي الدول” على حساب الغرب ليس بالأمر الغريب. فعلى مدار نصف القرن الماضي، تبين أن تطبيق “النموذج الغربي” للديمقراطية المتحررة والرأسمالية ليست الطريقة الوحيدة لنجاح الدولة. لقد صاغت دول صغيرة مثل سنغافورة والإمارات العربية المتحدة نماذجها الخاصة وطبقتها جيدًا لدرجة أن الدول الأخرى تحاكي تلك النماذج. وتطبق دول أخرى ذات كثافة سكانية عالية، ولاسيما تركيا وكوريا الجنوبية، والصين بالأخص، أنظمتها المميزة الخاصة، وتعتقد أنها قابلة للتطبيق في أي مكان آخر من العالم.

لقد استغرق الأمر أسابيع للكشف عن هذه الجائحة وسط وضوح صارخ بأن الثوابت السياسية القديمة في طريقها للانتهاء، وقد تتنافس عدة أنظمة سياسية غير غربية لتحل محل تلك الثوابت، غير انه في نهاية المطاف، لا يرقى الأمر إلا ان يكون قصص ناجحة لدول تواجه الفيروس. وفي الوقت الذي يبدو فيه الغرب متعبًا ومتصلبًا ويعاني من الانقسام الداخلي، لم تظهر أي كتلة جديدة من الدول تروج لبديل عن النموذج الغربي.

ومن ثم، إذا كان الغرب يتلاشى بسبب التعب، فإن “باقي الدول” بنفس القدر ليست مستعدة بعد لاستبدال الغرب. وبدا هذا واضحًا خلال الجائحة. وبعد أن تنحسر الجائحة، علينا التفكير مليًا في تأثيرات هذا التطور.

 

يؤلف “فيصل اليافعي” حاليًا كاتبًا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم لدى الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. عمل “فيصل” لدى وكالات أنباء مثل “الجارديان” و”بي بي سي”، وكتب تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.