حماقة سياسة بايدن الخارجية

دنيانيش كامات

Image courtesy of Andrew Caballero Reynolds / AFP

على الرغم من محبة الرئيس الأمريكي جو بايدن لـ “النظام الدولي القائم على القواعد” والذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، فإن سياسته الخارجية في طريقها للزوال، فهناك فجوة آخذة في الاتساع بين الخطب الرنانة لإدارته حول الأممية ونهجها في الدفاع عنها.

وبالنظر في الأدلة، حيث أعلنت إدارة بايدن عن مجموعة من ضوابط التصدير المصممة للحد من حصول الشركات الصينية على تكنولوجيا الرقائق الدقيقة المتقدمة في أكتوبر الماضي. ولقد كان تجاوزا تاريخيا، ومثل استخداما كبيرا لضوابط التصدير، والتي كانت في الظاهر لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وحتى في الوقت الذي بذلت فيه إدارة بايدن جهودا كبيرة لتبديد فكرة أن حربا باردة جديدة في طور البزوغ، فإن أفعالها تذكرنا بالتنافس السوفيتي الأمريكي.

ومنذ نهاية الحرب الباردة، كانت العقوبات الاقتصادية في الغالب تقوم على النزاعات التجارية، أو حقوق الإنسان، أو بفضل إجماع عالمي كبير يقوم على أن تصرفات دولة ما قد عرضت النظام الدولي للخطر، وقد قوضت الصين هذه الفكرة، والآن تحذو الولايات المتحدة حذوها.

وغالبا ما تستخدم الصين التجارة كسلاح لمعاقبة الدول التي تغضبها، ففي عام 2010، علقت الصين واردات السلمون من النرويج بعد فوز معارض صيني بجائزة نوبل للسلام، كما أخضعت بكين كوريا الجنوبية وأستراليا لمعاملة مماثلة، وأطلقت مؤخرا سيلا من العقوبات الاقتصادية على ليتوانيا بعد أن افتتحت عاصمتها فيلنيوس مكتبا تمثيليا لتايوان.

إنه نموذج لا يستحق التقليد خاصة من قبل الدول المستثمرة في استخدام التجارة كمحفز للسلام والازدهار والمزيد من التفاهم.

والواقع أن السياسة الأميركية السامة والقطبية قد تسببت في خلق هوة بين أقوال ساستها عن التعاون الدولي وأفعالهم، وتلك السمية هي سمة من سمات نسختها الخاصة من الديمقراطية فضلا عن كونها نتاجا ثانويا للعيوب المتأصلة في الديمقراطية الليبرالية.

ومن الأمثلة التقليدية على ذلك مبادرة السياسة الصناعية التي أطلقتها إدارة بايدن – والتي يُطلق عليه بالخطأ قانون الحد من التضخم (أي أر اي) وهي المبادرة التي تخصص مليارات الدولارات من الإعانات والإعفاءات الضريبية لتحفيز شركات الطاقة المتجددة ومصنعي السيارات الكهربائية على “إعادة أعمالهم إلى البر” أي إلى الولايات المتحدة.

ويهدد قانون الحد من التضخم (أي أر اي) بالتسبب في تراجع كبير في التصنيع في أوروبا، مما يعرض الانتعاش الاقتصادي للاتحاد الأوروبي الذي وقع بعد الجائحة للخطر، كما سيؤدي الاضطراب الاقتصادي إلى صعود قوى شعبوية في السياسة الأوروبية والتي يمكن أن تعقد الوحدة الأوروبية في وقت تحتاج فيه واشنطن إليها بشدة، في حين دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى رد أوروبي على قانون الحد من التضخم ، فإن الخوف بين أعضاء الاتحاد الأوروبي الأضعف اقتصاديا هو أن الدول الأكثر ثراء فقط مثل ألمانيا وهولندا ستكون قادرة على مضاهاة الدعم الأمريكي، مما يزيد من إضعاف التماسك الداخلي للاتحاد الأوروبي.

ستكون القوى الناشئة مثل المملكة العربية السعودية والهند وإندونيسيا والبرازيل قد استخلصت الاستنتاجات الصحيحة من التناقضات المتأصلة في سياسة بايدن الخارجية، وليس من المستغرب إذن أن تسعى كل دولة إلى تحقيق مصالحها الذاتية الاقتصادية والسياسة الخارجية، بما في ذلك تلك التي هي في تحالف عسكري مع الولايات المتحدة مثل (تركيا)، أو التي تسعى إلى علاقات استراتيجية أوثق مع الولايات المتحدة مثل (الهند)، أو التي تتطلع إلى أمريكا كحارس أمن مثل (المملكة العربية السعودية).

على سبيل المثال، كانت القومية الاقتصادية في إندونيسيا بخصوص صادراتها من النيكل لتبدو غير عادية في ظل نظام عالمي يلتزم حقا بالأسواق الحرة، ولكن نظرا لسلوك أميركا فيما يخص الوصول إلى سوقها المحلية حتى للدول الصديقة، فإن تصرفات إندونيسيا تبدوا طبيعية.

ولأسباب داخلية في الغالب، وجزئيا بسبب الحاجة إلى النأي بنفسه عن سلفه، جعل بايدن الديمقراطية مقابل الاستبداد المبدأ المنظم لسياسته الخارجية، لكن هذا ليس تبسيطا مفرطا فحسب، بل إن تصرفاته كرئيس جعلت كلماته لا معنى لها.

ورداً على ارتفاع تكاليف الطاقة العالمية، سمحت إدارة بايدن بصمت لشركات الطاقة الأمريكية الكبرى بالعودة إلى فنزويلا، حتى ولو أن نظام مادورو لم يعمل سوى الحد الأدنى لإضفاء الطابع الديمقراطي على سياسة البلاد.

وعندما استضافت إدارة بايدن “قمة من أجل الديمقراطية” في عام 2021، لم تدع بنغلاديش وهي ديمقراطية كبيرة (وإن كانت لا تخلو من العيوب) ويبلغ عدد سكانها 165 مليون نسمة وهي أيضا واحدة من أكبر الدول الإسلامية في العالم، ثم فرضت واشنطن عقوبات على القوة شبه العسكرية في بنجلاديش بسبب انتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان.

ولكن يبدو أن الحكومة الأمريكية لديها نهج أكثر مرونة تجاه إدارة نتنياهو الجديدة في إسرائيل، وهي الإدارة التي تهدد خططها السياسية بسحق الديمقراطية الإسرائيلية، وانتهاك حقوق الإنسان للفلسطينيين، وتعريض الدولة الفلسطينية للخطر.

وفي داخل الولايات المتحدة، فإن المحكمة العليا المسيسة التي أصدرت أحكاما تتماشى مع الإيديولوجية اليمينية المتطرفة (إلغاء التعليمات التي دامت 40 عاما بشأن حقوق الإجهاض، والتي ألغيت في العام الماضي على سبيل المثال) ومن شأن ذلك أن يجعل من الصعب على الولايات المتحدة إلقاء محاضرات على بلدان أخرى حول حقوق الإنسان.

إن فكرة الغدر الأمريكي لن تضعف الإجماع العالمي السائد على النظام الدولي فحسب، بل ستوقظ الماضي وسيُثير الشكوك حول الاستعمار الأمريكي الجديد الذي يتنكر تحت ستار الخطاب الديمقراطي الليبرالي، وينطبق هذا بشكل خاص على الجنوب العالمي في مرحلة ما بعد الاستعمار.

وعواقب كل ذلك ماثلة أمام أعيننا: مثل السعي المطرد إلى إبرام اتفاقات أمنية وتجارية متعددة الأطراف بين البلدان بغض النظر عن نظمها السياسية؛ وزيادة القومية الاقتصادية التي تعاني منها التجارة الحرة؛ وتقويض المجهود العالمي المعني بالتعامل مع الأزمات الدولية مثل تغير المناخ؛ وتدهور عام في حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم؛ فضلا عن الحلول العسكرية المتزايدة للصراعات بين الدول.

يمكن لإدارة بايدن أن تقول ما تشاء حول دعم النظام الدولي العالمي، لكنها يبقى القول مناقض للفعل.

 

دنيانيش كامات محلل سياسي يركز على الشرق الأوسط وجنوب آسيا، كما يقدم استشارات بشأن التنمية الاجتماعية والاقتصادية للكيانات الحكومية والقطاع الخاص.