وصول بوتفليقة إلى خط النهاية سيكون نقطة الانطلاق لمرحلة سياسية جديدة في الجزائر

فيصل اليافعي

كانت أسرة الزيانيون آخر السلالات الحاكمة في الجزائر قبل ظهور الإمبراطورية العثمانية، وكانوا يمثلون آخر دولة مستقلة أقيمت على الأراضي الجزائرية في فترة ما قبل العصر الحديث، وخلال الحروب الوسطى التي جرت في القرن السادس عشر؛ فقد الزيانيون أراضيهم بشكل تدريجي لصالح حكام كل من تونس وإسبانيا والإمبراطورية العثمانية.

ومُعظم الشعب الجزائري نادرًا ما يتذكر تلك الأحداث التاريخية، لكن سقوط الدولة في القرن السادس عشر بات يمثل ركنًا من أركان التمهيد للانتخابات القومية المقرر لها إبريل القادم، والتي بدأت بانتقاد رئيس وزراء سابق للرئيس “عبد العزيز بو تفليقة” على خلفية بقاء الأخير فترة طويلة في الحكم.

وقد صعد “بوتفليقة” إلى سدة الحكم في العام 1999، ونادرًا ما ظهر الرجل إلى العلن منذ ان أصيب بسكتة دماغية في العام 2013، وحينما تمت الدعوة للانتخابات الرئاسية في منتصف يناير؛ انتشرت التخمينات بشكل واسع حول حقيقة مشاركة “بوتفليقة” في تلك الانتخابات من عدمه، وفي العاشر من فبراير أكّد مكتب “بوتفليقة” على مشاركة الرجل في الانتخابات، لذا فإن الرئيس الجزائري سوف ينافس للحصول على فترة رئاسية خامسة، ما لم تكن هناك أحداثًا طارئة.

ولو فاز “بوتفليقة” بانتخابات إبريل؛ مع الاخذ في الاعتبار انه قد فاز في الانتخابات التي جرت في 2014 وحصد فيها 81% من الأصوات، وحصل المرشح الذي يليه على 12% من الأصوات بشق الأنفس، فمن المحتمل أن تكون الفترة الرئاسية القادمة أخر الفترات ل”بوتفليقة”، وقد قام الرجل منذ 10 سنوات بإلغاء مادة في الدستور تقضي بعدم انتخاب الرئيس أكثر من فترتين، وقام بذلك بالطبع من أجل إفساح الطريق أمام حصوله على فترة جديدة، لكن تلك المادة في الدستور عادت إلى طبيعتها منذ عامين، لذا فإن هناك شخصًا جديدًا سيحكم الجزائر في العام 2024، وذلك للمرة الأولى خلال القرن الحالي.

وستكون تلك بمثابة نقطة الانطلاق لمرحلة جديدة على مستوى السياسة الجزائرية.

وقد تمت ادارة الجزائر خلال فترة طويلة من قبل مجموعة من رجال الجيش ورجال الأعمال البارزين والساسة، ويُشار لتلك العملية بشكل عام عبر مصطلح (القوة)، وكي يفهم الدبلوماسيون والصحفيون والباحثون والمواطنون العاديون ما يحدث وراء الكواليس، فإن ذلك يتطلب الكثير من الاستقراء والتنبؤ.

وحينما قام “بوتفليقة” في العام 2014 بفصل مدير الاستخبارات وحل الجهاز، فقد تركت تلك الخطوة علامة داخل الجيش، لكن في نوفمبر وحينما تقدم رئيس أكبر الأحزاب في البرلمان باستقالته؛ تم إيعاز ذلك إلى مواجهة جرت مع الجيش، وتلك المناورات السياسية غالبًا ما تبقى خلف الأبواب المغلقة، لكن مع وصول “بوتفليقة” إلى نهاية رحلته السياسية، فإن الاقتتال الداخلي سيتسرب بالتأكيد إلى النطاق العام، وستكون الفترة الرئاسية الخامسة عنيفة بالنسبة ل”بوتفليقة”، لأن تلك الفترة ستحدد شكل الحياة السياسية في الجزائر خلال المرحلة الجديدة.

ولا يعد تعصب المعارضة هو السبب الوحيد وراء عدم انتقاد “بوتفليقة” راحة، بل أيضًا بسبب حالة الاحترام التي لا زال “بوتفليقة” يتمتع بها، كونه أحد المحاربين القدامى الذين شاركوا في حرب الاستقلال ضد فرنسا، وأيضًا كونه الرئيس الذي نجح في وضع حد للحرب الأهلية الوحشية التي جرت في الجزائر خلال التسعينات من القرن الماضي.

لكن انتقاد “بوتفليقة” بدأ في التزايُد، وبعد الإعلان عن ترشُح “بوتفليقة” في الانتخابات القادمة قال “علي بن فليس” وهو أحد منافسي بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية إن “الرئيس الجزائري بات غير قادر على ممارسة مهام منصبه”، أما أكبر الأحزاب الإسلامية في الجمعية الوطنية فقد أعلن بشكل متكرر أن “بوتفليقة” لن يستطيع أداء مهامه بسبب المرض، وهناك صحيفة “الوطن” البارزة التي نشرت في صدر صفحتها الأولى هذا الأسبوع خبرًا يصف عملية ترشح “بوتفليقة” بالمروعة.

وقد أتت أشد تلك الانتقادات من رئيس الوزراء السابق “مولود حمروش”، الذي كتب مقالًا مطولًا هذا الشهر أشار فيه إلى “سلالة الزيانيون الحاكمة”، وحذّر فيه من أن انهيارها يعود إلى افتقاد القيادة الوطنية وضعف الجيش، وقد تم استيعاب تلك النقطة جيدًا من خلال الأوساط السياسية الجزائرية: “بوتفليقة” والجيش الداعم له سوف يقودون الجزائر ليس فقط لحالة من الجمود، بل ربما يقودون البلاد لمرحلة تتعرّض فيها لغيبوبة.

وعلى أي حال، فإن هذا الانتقاد لم يتحول إلى واقع، فقد أعلن “حمروش” أنه لن يخوض الانتخابات الرئاسية ضد “بوتفليقة”، وهؤلاء الذين قاموا بالترشح ضد “بوتفليقة”، ومنهم الجنرال السابق بالجيش “علي غديري” وجدوا أن قوات الأمن تعارض ترشحهم، وقد صرّح “غديري” بأن وكالات الاستخبارات حذرته من الترشح للانتخابات الرئاسية، وبعد أيام من تصريحاته أصدر الجيش قرارًا بمنع جميع أفراده من أداء أي دور في الانتخابات.

لذا فإن المسألة لا تتعلّق باحتمالات فوز “بوتفليقة” من عدمه، وإنما تتعلّق بمن يخلف الرئيس الجزائري؟، ومتى يتم تقديم هذا الشخص إلى العامة؟، وما إذا كان الاقتتال الداخلي المحتوم والمناورات التي تجري من أجل الحصول على المناصب ستكون علامة مميزة للفترة الرئاسية الأخيرة ل”بوتفليقة”.

أما تلميح “بوتفليقة” هذا الأسبوع إلى أنه سيقوم بتعيين نائب له قبل الانتخابات، سيتم تفسيره على أنه إشارة لمن سيخلف “بوتفليقة”، وأغلب الظن أنه (أو أنها) سيكون شخص لا يملك قاعدة شعبية، وأن هذا الشخص سيكون من طبقة التكنوقراط، وأنه سيقوم بالعمل في نفس اتجاه “بوتفليقة”، وإذا ما دعت الحاجة فإن هذا الشخص سيقوم بقيادة البلاد إلى انتخابات حال حدث مكروه ل”بوتفليقة”. وأي شخص آخر؛ كمرشح من الجيش مثلًا؛ فسوف يؤدي ظهوره إلى الاقتتال الداخلي، لأن باقي الفصائل ستخشى خسارة مرشحيها المفضلين.

واندلاع الاقتتال الداخلي بعد الانتخابات ربما يكون أفضل من اندلاعه قبلها، وذلك لأنه على الرغم من انتشار شعور عام بأن شخص ما بخلاف “بوتفليقة” يجب أن يتولى شئون الحكم؛ فانه ليس هناك إجماع على هذا الشخص، وقد وردت تقارير تفيد بأن مراكز القوى سعت في انتخابات 2014 لإيجاد مرشح جديد، لكن عدم وجود إجماع على شخص محدد دفع بهؤلاء إلى التسليم بترشح “بوتفليقة”.

ويظل النظام السياسي الجزائري هشًّا، وسبب ذلك هو سيطرة “بوتفليقة” على الحكم لفترة طويلة، مما قطع الطريق على الأشخاص والأحزاب المنافسة من أجل إثبات أنفسهم، والآن، وقبل أسابيع من الانتخابات الرئاسية، فسوف تكون هناك لحظات صعبة فيما يخُص القتال في الغرف الخلفية، ومن أسوأ المظاهر في هذا النظام المتشدد، هو إجبار الجزائريين على التصويت لذات المرشح مرارًا وتكرارًا، خشية من تمزق البلاد خلال رحلة البحث عن بديل، كما حدث منذ سنوات.

ولا زال هناك متسع من الوقت أمام “بوتفليقة” من أجل التخلي عن السيطرة وإفساح المجال أمام جيل جديد من القادة السياسيين، ويجب إنهاء مرحلة مراكز القوى، وكذا يجب على “بوتفليقة” الوثوق في جيل جديد يقوم بقيادة الجزائر إلى مرحلة سياسية جديدة.

AFP PHOTO/RYAD KRAMDI