طرد الدبلوماسيين الروس سيقرب بوتين من العالم الإسلامي

فيصل اليافعي

كان من المفترض أن تكون دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي في فبراير 2014 بمثابة احتفال بروسيا فلاديمير بوتين بقدر ما كانت احتفالاً بالبراعة الرياضية، حيث كان بوتين قد عاد إلى كرسي الرئاسة قبل عامين من هذه التظاهرة وكان من المفترض أن تُظهر سوتشي للعالم روسيا الجديدة. لكن مع نهاية الشهر التالي، بدا أن روسيا الجديدة تشبه إلى حد كبير الاتحاد السوفياتي القديم. إذ تصاعدت الأزمة في أوكرانيا لتطيح بالرئيس الأوكراني مع نهاية التظاهرة. وفي غضون شهر واحد، ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، فكان رد المجتمع الدولي سريعاً: حيث طُردت روسيا من مجموعة الثماني وواجهت عقوبات صارمة. وهكذا طغت الأحداث السياسية الكبرى على التظاهرة الرياضية الهامة.

اليوم وبعد أربع سنوات، يبدو وكأن التاريخ يعيد نفسه. فمن جديد يطغى حدث سياسي كبير على تظاهرة رياضية بارزة، ويتعلق الأمر بتسميم جاسوس روسي سابق وابنته في بلدة إنجليزية هادئة، والرد المنسق الاستثنائي من معظم دول الغرب. حيث قامت ثلاث وعشرون دولة، بما فيها جميع دول الاتحاد الأوروبي، بطرد ما يزيد عن 100 دبلوماسي روسي متهمة إياهم بكونهم جواسيس. وإذا كانت الولايات المتحدة قد طردت غالبيتهم، حيث وصل عددهم إلى 60 دبلوماسياً، فإن الطرد الجماعي لعدد كبير منهم من قبل دول أوروبية هو الأمر الذي سيضر حقاً بروسيا. ناهيك عن أن التفكير ما يزال جارياً في إمكانية فرض عقوبات قد تشمل تقليص عدد المسؤولين الحكوميين الحاضرين في نهائيات كأس العالم بروسيا صيف هذا العام، وهي العقوبة ذاتها التي فُرضت على البلاد خلال الألعاب الأولمبية الشتوية.

لكن التاريخ سيعيد نفسه في صور أخرى أيضاً. حيث كما كان الحال في 2014، سيقرب الرد المنسق روسيا من دول ما بعد الاتحاد السوفياتي، وهذه المرة، من دول الشرق الأوسط كذلك.

فبعد ضم شبه جزيرة القرم والعقوبات التي تلته، انشغلت السياسة الدولية بأمور أخرى، ولم يلاحظ الكثيرون أن فلاديمير بوتين قد نقل اهتمامه إلى دول الاتحاد السوفياتي سابقاً المحيطة بروسيا، وذلك سعياً منه لجذبهم نحو “اتحاد اقتصادي أوراسي” جديد. وفي ظرف سنة واحدة، كانت دول كزاخستان وروسيا البيضاء وأرمينيا قد انضمت لهذا الاتحاد، قبل أن تلحق بها قيرغيزستان.

وسيتم الآن اتخاذ خطوة مماثلة، قد تكون لها عواقب أكبر، تجاه الشرق الأوسط. فبعدما عزله الغرب بشكل كامل وشامل، سيحوّل بوتين تركيزه إلى دول مثل إيران وتركيا وسوريا، وهي الدول التي تتمتع بعلاقة جيدة مع موسكو، وإلى الدول التي قد يمكنه بناء علاقات وثيقة معها من منافسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ولفهم عزلة روسيا والخيارات المتاحة أمامها، فإنه من الضروري الرجوع إلى الخريطة. فقد تأثرت معظم الدول المجاورة للحدود الغربية الروسية مع أوروبا بحملة الطرد الشاملة: بدءاً من فنلندا ومروراً بدول البلطيق وأكرانيا، ووصولاً إلى دولتي مقدونيا وألبانيا في البلقان. وهو تضامن قل نظيره جعل روسيا مرة أخرى في عزلة.

لكن للخريطة وجه آخر يعكس حقيقة مختلفة. فتركيا، وإن كانت عضواً في حلف “الناتو”، لم تقم بطرد أي دبلوماسيين. وعلى الجانب الآخر من روسيا، هناك دول آسيا الوسطى، وعلى رأسها كزاخستان وأربع دول أخرى كانت جميعها جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق. ووراء بحر قزوين، نجد إيران وبعدها أفغانستان وباكستان. وبالتالي فإن روسيا ستوجه بَوصلتها نحو هذه الدول، وهي جميعها دول إسلامية.

هنا ستسعى روسيا لبناء تحالفاتها، وسيكون الشرق الأوسط ذا أولوية خاصة نظراً لإمكانية استخدامه كوسيلة لترسيخ مكانتها كقوة عالمية. فعلاقة روسيا مع تركيا وإيران وسوريا قد قادتها فعلاً إلى عمق الشرق الأوسط. وبدفاعها عن بشار الأسد، خلقت روسياً لنفسها نفوذاً في عملية جنيف، أعادها إلى أهم طاولة مفاوضات مع الولايات المتحدة.

وفي ظل تواجد طائراتها الحربية في الأجواء السورية، بدأت روسيا في إعطاء التعليمات لإسرائيل، حليفة الولايات المتحدة الأبرز، بشأن المواقع التي يمكن لطائراتها التحليق فيها. ومع تواجد القوات التركية على الحدود السورية، بات من الواجب على أنقرة إطلاع موسكو على سياستها الخارجية. كما أنه في حال فشل الاتفاق النووي الإيراني، وهو الأمر الذي توحي به تقلبات المزاج في واشنطن، ستتقرب روسيا أكثر من إيران التي تعتبر فعلاً أحد أقرب حلفائها. وهكذا، خطوة خطوة، وجدت روسيا لنفسها موطئ قدم في أكثر المناطق استراتيجيةً في العالم، وهي لن تتخلى الآن عن هذه التحالفات.

ولن يتوقف الأمر عند هذه التحالفات. فخلال الأشهر التي تلت ضم شبه جزيرة القرم في 2014، قام وزير الدفاع الروسي بزيارة إسلام آباد، وهي الأولى من نوعها لمسؤول كبير في وزارة الدفاع منذ ما يناهز نصف قرن. ومع نهاية العام، تم التوقيع على اتفاق تعاون دفاعي بين الطرفين. وفي ظل تدهور العلاقات بين روسيا والغرب من جهة، وباكستان والولايات المتحدة من جهة أخرى، فإن هذه الروابط ستُبعث من جديد.

هذا دون النظر إلى آسيا الوسطى، والتي ما تزال روسيا تعتبرها حديقتها الخلفية. فالعلاقات مع دول آسيا الوسطى هي بمثابة مدخل مهم إلى الصين، حيث إن مشروع البنية التحتية الصيني الضخم المسمى “حزام واحد، طريق واحد” سيشمل ما لا يقل عن ثلاث دول في آسيا الوسطى، ما قد يخلق منافسة وتعاوناً في آن واحد.

كل هذا سيسفر عن نتيجة غير متوقعة: إذ ستصبح روسيا أحد أهم الفاعلين في توازنات القوى في العالم الإسلامي. هذا وكثيراً ما تم النظر إلى علاقة روسيا بالإسلام من خلال عدسة أمنية. ويعيش ما قد يصل إلى 20 مليون مسلم في روسيا، حيث يشكلون ثاني أكبر مجموعة دينية في البلاد. وقد أصبح الجانب العقائدي محل تركيز الحركات القومية في المقاطعات الجنوبية المضطربة في روسيا وفي آسيا الوسطى. لكن في حال تعززت العلاقات مع الدول الإسلامية المحيطة بروسيا، قد تدرك موسكو أن إبراز صِلاتها الإسلامية واستخدام الجانب العقائدي كقوة ناعمة قد تكون لهما فائدة استراتيجية أكبر.

لقد أظهرت حادثة تسميم الجاسوس الروسي في ساليسبري أنه يصعب على روسيا التخلي عن عقلية الحرب الباردة، كما أظهر الرد المنسق أن جيرانها في الغرب ما زال بإمكانهم الوقوف متحِدين في وجه موسكو، ما سيدفعها إلى الانعطاف نحو جيرانها في الشرق والجنوب. فالعلاقة المسمومة مع أوروبا ستقرب روسيا من العالم الإسلامي لا محالة.

AFP PHOTO/Don Emmert