كيف يُستغل سعي القارة السمراء نحو الطاقة الخضراء

جوزيف دانا

Image courtesy of Michele Spatari / AFP

تعترض مسيرة قارة أفريقيا نحو الطاقة المتجددة الكثير من العراقيل، ففي حين أن القارة هي موطن للرياح والطاقة الشمسية الوفيرة، ناهيك عن المواد الخام مثل الكوبالت اللازم لتشغيل الطاقة الخضراء، فإن مسيرة القارة نحو مستقبل الطاقة الخضراء يمكن وصفه في أحسن الأحوال بالمتباين.

وتملك جنوب أفريقيا أقوى قطاع صناعي في القارة، وهي مثالا واضحاُ على الحالة المزرية التي وصلت إليها الطاقة الخضراء، والبلد الذي يبلغ عدد سكانه نحو 60 مليون نسمة تحتل المرتبة الثالث عشر عالمياً كمصدر لغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري، ويحصل على أكثر من 80 في المئة من الكهرباء من الفحم. وفي جميع أنحاء القارة هناك اعتماد أقل على الفحم وأكثر على الغاز الطبيعي والطاقة الكهرومائية. ولكن بشكل عام، لا يزال استخدام مصادر الطاقة المتجددة أقل بكثير من المتوسط العالمي. ونظرا لأن الجولة الأخيرة من محادثات المناخ الدولية، والمعروفة باسم ” قمة المناخ 27” على وشك البدء في مصر، فقد حان الوقت لإلقاء نظرة فاحصة على كيفية تأثير تغير المناخ بشكل غير منصف على إفريقيا وما يمكن لأي شخص فعله حيال ذلك.

وتنبع مشاكل الطاقة في جنوب أفريقيا من محطات الطاقة القديمة التي تعمل بالفحم والتي تديرها شركة الكهرباء الوطنية “إسكوم” وبعد ما يقرب من عقد من سوء الإدارة والفساد في عهد الرئيس السابق جاكوب زوما، لا تستطيع إسكوم إبقاء الأضواء مضاءة، وتتعطل محطات توليد الطاقة بانتظام مما يؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي بصورة مستمرة، والمعروف محليا باسم “لودشدنق”(الإطفاء المتكرر) ويتسبب نقص الطاقة في خسائر فادحة في الاقتصاد حيث يمكن أن يعني “لودشدنق” عدة ساعات من انقطاع التيار الكهربائي كل يوم.

وجعل الرئيس سيريل رامافوسا أزمة الطاقة على رأس أولويات حكومته لكنها أزمة صعبة المراس، حيث تملك جنوب أفريقيا العديد من القوانين المصممة لضمان احتكار “إسكوم” لإنتاج الطاقة على الرغم من أن البلاد تنعم بموارد الرياح والطاقة الشمسية الوفيرة المثالية لمشاريع الطاقة المتجددة. وقد أعاد رامافوسا النظر في بعض تلك التشريعات لتمكين منتجي الطاقة من القطاع الخاص من إنتاج المزيد من الطاقة، وأخذت مدينة كيب تاون الأمر على عاتقها بمفردها وبنت حلولا للطاقة الكهرومائية لتعامل مع “لودشدنق” ولكن تلك الجهود ليست سوى ضمادات على جرح كبير.

ويأمل رامافوسا أن يمول المستثمرين الأجانب والحكومات المشاريع للحصول على رأس المال اللازم لتمويل تحول جنوب أفريقيا نحو الطاقة المتجددة، ووجدت دراسة أجرتها فرقة العمل المعنية بالتمويل المختلط ومركز تحولات الاستدامة في جامعة ستيلينبوش أن جنوب إفريقيا ستحتاج إلى إنفاق 250 مليار دولار على مدى السنوات الثلاثين المقبلة لإغلاق محطات الطاقة التي تعمل بالفحم والانتقال إلى الطاقة الخضراء، وتعكف حكومة جنوب أفريقيا حاليا على التفاوض على منح مناخية بقيمة 8.5 مليار دولار وقروض ميسرة مع الدول الغنية، وكان هذا الانتقال وتمويله موضوعا رئيسيا للمناقشة في “قمة المناخ 26” في غلاسكو وسيكون على جدول الأعمال هذا الأسبوع في مصر.

في محاولة للضغط على الحكومات للوفاء بالتزاماتها، تخطط جنوب أفريقيا لاستخدام “قمة المناخ 27″ كمنصة للدعوة إلى دعم أكبر لـ”التحولات العادلة” في أفريقيا بدءا من تحولات الطاقة، ووفقا لوزيرة البيئة باربرا كريسي، ستدعو جنوب أفريقيا إلى إنشاء إطار تمويل للانتقال العادل للطاقة يركز على البشر، وفي تعليقات للصحافة في جنوب أفريقيا، قالت كريسي بأنه يجب أن ينظر إلى قمة المناخ 27 على أنها “مؤتمر الأطراف للتنفيذ” من خلال ضمان سد الفجوة بين تعهدات تمويل المناخ والتدفق الفعلي للأموال، وقالت: “نحن بحاجة إلى إعادة بناء الثقة بين البلدان المتقدمة والنامية من خلال الوفاء بالالتزامات [و] نحتاج إلى التزامات واضحة لدعم التحولات العادلة في البلدان النامية”.

إن المزيد من التمويل من بقية دول العالم وحده لن يحل مشاكل الطاقة في جنوب أفريقيا. حيث إن الفساد الداخلي وسوء الإدارة للموارد هما أحد الأسباب التي تجعل البلاد تواجه أزمة طاقة وجودية. ومع ذلك، فإن الفكرة الأكبر حول البلدان الأكثر ثراء التي تدعم تحولات الطاقة العادلة في العالم الناشئ هي الموضوع الصحيح لقمة المناخ 27، فهناك قلق متزايد (وغضب) من أن البلدان الغنية تواصل ميراث الاستغلال في أفريقيا عندما يتعلق الأمر بتحولات الطاقة.

وباعتبارها موطنا للمواد الخام الحيوية اللازمة لمشاريع الطاقة الخضراء، فلا تزال الدول الأفريقية ترى مواردها تشحن إلى أماكن مثل الصين وأوروبا مع القليل من الاهتمام باحتياجات المجتمعات المحلية، وعلاوة على ذلك، فإن عدد سكان أفريقيا ينمو بسرعة والمدن تتوسع، مما يجعل الظواهر الجوية المتطرفة الناجمة عن تغير المناخ مصدر قلق كبير للسلطات في جميع أنحاء القارة. وأفريقيا هي واحدة من أقل قارات العالم تطورا وتنتج ما يقرب من 4 في المئة من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية، ومع ذلك فإنها ستعاني من تغير المناخ بشكل غير منصف مقارنة ببقية دول العالم.

وسيتم التعامل مع تلك التحديات خلال قمة المناخ 27، ومما لا شك فيه أنه ستكون هناك وعود وتعهدات كبيرة للدول الأفريقية للمساعدة في تمويل الطاقة الخضراء. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تتحقق تلك الوعود بالكامل على المدى الطويل. وفي أحسن الأحوال، ستتعهد الدول الغنية بتقديم قروض لدعم بلدان مثل جنوب أفريقيا في تحولاتها في مجال الطاقة الخضراء، ولكن مثل تلك المبادرات لن تخاطب الأسباب الجذرية للمشكلة، كما أنها لن تحمي الأجيال القادمة. ولا يزال التاريخ المظلم للاستغلال من جانب القوى الخارجية مستمرا في أفريقيا تحت ذريعة تغير المناخ والتحولات العالمية في مجال الطاقة الخضراء. إن تحديد المسار لمستقبل أكثر اخضرارا سيحتاج إلى تضمين تلك الواقع في الخطط المستقبلية.

 

جوزيف دانا هو كبير المحررين السابقين في أإكسبوتانشال فيو، وهي جريدة إخبارية أسبوعية حول التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع. كما شغل منصب رئيس تحرير موقع “إميرج 85” وهو مركز يستكشف التغيير في الأسواق الناشئة وتأثيره العالمي.

تويتر: @ibnezra