الاتحاد الأوروبي يتجاهل أخطائه السابقة في ليبيا

فيصل اليافعي

AFP Photo: Pablo Garcia

أبدى المجتمع الدولي اهتمامه بالشأن الليبي فجأةً. ومنذ أن جمعت قمة برلين في منتصف يناير أبرز أطراف الموقف الذي ينزلق بسرعة إلى حرب أهلية، كانت ثمة موجة من الحراك الدولي، والذي يهدف في الأساس إلى التغلب على الاعتراضات الأوروبية الداخلية، وتقديم جبهة موحدة، واستعادة المبادرة من تركيا وروسيا والقائد العسكري خليفة حفتر.

وتكلل هذا كله بالإعلان في السابع عشر “17” من فبراير عن إرسال بعثة بحرية وجوية تابعة للاتحاد الأوروبي لفرض حظر على الأسلحة في المياه قبالة الساحل الليبي.

وهذا، للأسف، نموذج متعارف عليه لهروب المجتمع الدولي من هذه القضية. ومن المفترض أن الهدف من قمة برلين هو التركيز على فرض وقف لإطلاق النار. ورغم ذلك، فما تريده أوروبا حقًا هو ألا تجد المزيد من المهاجرين في المدن الأوروبية في نهاية المطاف (رغم الجهود المستمرة التي تبذلها أوروبا لإنقاذ المهاجرين من البحر المتوسط). ويشهد المجتمع الدولي حالة انقسام بشأن هذين الهدفين (فكلاهما بعيد المنال، ويبقى للمجتمع الدولي شرف المحاولة)، وأصاب المجتمع الدولي حالة من الارتباك لاتباعه أنصاف الحلول مع هذه القضية، وهو ما يزيد الأمور سوءًا.

إن بعثة الاتحاد الأوروبي الجديدة “والمدعومة” لن تركز على تهريب المهاجرين، وغير معنية بفرض وقف لإطلاق النار. وبدلاً من ذلك، سيفعل الاتحاد الأوربي عملية المراقبة النشطة لمنع وصول الأسلحة إلى ليبيا.

وفيما يتعلق بقضية المهاجرين، فإن عملية صوفيا – وهو اسم بعثة الاتحاد الأوروبي للحد من حركة المهاجرين – لم تحقق نجاحًا كبيرًا، ومن أبرز عيوب تلك العملية هو محاولة وقف اكتظاظ القوارب في البحر بأعداد كبيرة من المهاجرين بدلاً من محاولة منع القوارب من الإبحار في المقام الأول (وتكفل خفر السواحل الليبية بهذا الأمر).

وتستمر لعبة القط والفأر بين مهربي البشر وخفر السواحل، إذ يتحاشى مهربو البشر خفر السواحل حتى يمكنهم توجيه شحناتهم البشرية نحو السفن الأوروبية، والتي ستنقل المهاجرين، وتأخذهم حتمًا إلى الموانئ الأوروبية.

ولم تمنع عملية صوفيا قوارب المهاجرين من الإبحار، أو وصول المهاجرين إلى أوروبا. وفي الواقع، زادت البعثة الأوروبية الأمور تعقيدًا، حيث جذبت السفن الأوروبية قوارب المهربين إليها مثل المغناطيس. وعلق الاتحاد الأوروبي العملية لمدة عام تقريبًا بسبب اعتراضات من الحكومة الإيطالية الشعبية، ومن المقرر حل تلك العملية الشهر المقبل.

ولا تتخذ بعثة الاتحاد الأوروبي الجديدة حلول جذرية لهذه القضية. ولن تذهب عملية المراقبة النشطة التي ينفذها الاتحاد الأوروبي إلى حيث توجد الأسلحة، ولكنها ستعمل في المناطق البعيدة عن البحر في شرق البحر المتوسط. وتُشير مذكرة مسربة من الاتحاد الأوروبي إلى أن دوريات عملية المراقبة النشطة ستقتصر على “100” كيلومتر على الأقل قبالة الساحل الليبي، حيث تقل فرص إجراء عمليات الإنقاذ”. لكن هذه المسافة تجعل البعثة قابعة وبقوة داخل المياه الدولية، وبعيدة عن قوارب المهاجرين، والتي تميل إلى التوجه شمال غربًا باتجاه صقلية، وبعيدًا عن أماكن تهريب الأسلحة الحقيقية – على الأرض، عبر الحدود الطويلة التي يسهل اختراقها بين مصر وليبيا.

وقد تبدو خطة الاتحاد الأوربي غريبة، وهي كذلك. إن محاولة فرض حظر على الأسلحة على الأرض من الأفكار المنافية للعقل، إنه خدعة. كما أن الهدف من الإحداثيات التي تقدمها بعثة الاتحاد الأوروبي إلى قوارب الدورية ليس تعزيز عملية المراقبة؛ بل لأغراض سياسية.

والأمر الأكثر استنكارًا هو أن هذه العملية غير المجدية تجعل الوضع أسوأ داخل البلاد.

ومنذ أن بدأت قوات حفتر “السباق نحو طرابلس” في بداية العام، يبدو أن طرفي النزاع في ليبيا يرون أن القوة العسكرية الغاشمة هي أفضل طريقة لحل النزاع، وتأتي المناقشات السياسية في وقت لاحق، وهو ما يدركه جيدًا كلٌ من الجيش الوطني الليبي بزعامة “خليفة حفتر”، الذي يحظى بدعم روسي ومصري، وحكومة الوفاق الوطني المُعترف بها دولياً (ويدعمها في الوقت الراهن الآلاف من المقاتلين الأتراك والسوريين).

وبعد يوم من الإعلان عن البعثة الجديدة، تعرض الميناء البحري للعاصمة الليبية للهجوم. وقال دبلوماسي غربي لوكالة رويترز، “يستعد الطرفان للمعركة القادمة.”

ولا عجب في انه قد تم الترحيب بقرار الأمم المتحدة الصادر في 12 فبراير باعتباره انفراجه للأزمة، وذلك لأن روسيا امتنعت عن التصويت ولم تستخدم حق النقض. ومن الصعوبة بمكان أن يكون نص القرار طرحًا جديدًا لحل الأزمة، لأنه يؤكد فقط على “الحاجة إلى وقف دائم لإطلاق النار في ليبيا في أقرب فرصة”، دون تقديم أي أفكار حول كيفية تحقيق ذلك أو إنفاذه.

وشكل هذا القرار للفصائل المسلحة في ليبيا إشارة لتوسيع مواقعها وترسيخها قبل تنفيذ أي وقف لإطلاق النار.

ولا غرابة في أن يركز المجتمع الدولي على فرض حظر على الأسلحة، لأنه الشيء الوحيد الذي يمكن الاتفاق عليه. ولكن يجب ألا ننخدع بأن حظر الأسلحة ليس إلا خداع دبلوماسي، وهو ليس بحل. وفي الحروب الشاملة، تعتبر أنصاف الحلول أسوأ من عدم وجود حلول مطلقًا.

يؤلف “فيصل اليافعي” حاليًا كتابًا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم لدى الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. عمل “فيصل” لدى وكالات أنباء مثل “الجارديان” و”بي بي سي”، وأعد تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.