قضية الثمانية مليار نسمة

أفشين مولافي

Image courtesy of Khaled Desouki / AFP

تجاوز عالمنا اليوم مرحلة كبيرة، حيث تخطى عدد سكان كوكب الأرض 8 مليارات نسمة، وفي دهاليز هذا الحدث الديموغرافي قصة تنموية مهمة، فنحن أكثر صحة وثراء وأفضل تعليما من أي وقت مضى على مر التاريخ البشري.

ومع ذلك، فإن الأرقام الكلية لا تعكس حال الـ 800 مليون نسمة الذين ما زالوا يفتقرون إلى الكهرباء، أو الـ 800 مليون نسمة الأخرين الذين ينامون جوعا. وفاقمت جائحة كوفيد-19 العديد من أوجه الظلم في عالمنا وأضافت مجموعة من المشاكل الجديدة، من انعدام الأمن الغذائي الناجم عن سلسلة التوريد إلى تريليونات الدولارات من الخسائر الاقتصادية في جميع أنحاء العالم.

ويكشف التحليل العميق في أحدث تقرير للأمم المتحدة عن التوقعات السكانية العالمية، أن أسرع المجتمعات نموا تتركز في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان النامية. ويمكن أن تكون تلك المجتمعات الشابة الصاعدة هدية ديموغرافية أو عبئا على كاهل الدولة. وبالتالي، فإن السؤال الرئيسي الذي يواجه تلك البلدان والعالم هو: ما هي أفضل الطرق لضمان أن تصبح المجتمعات سريعة النمو عنصرا إيجابيا يجب مضاعفته بدلا من كونها مشكله يمكن انتشارها؟

لنبدأ بالبلدان الثمانية التي تقدر الأمم المتحدة أنها ستشكل حوالي نصف النمو السكاني في العالم على مدى العقود الثلاثة المقبلة: وهي جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومصر، وإثيوبيا، والهند، ونيجيريا، وباكستان، والفلبين، وتنزانيا. فإذا وصل العالم إلى 9.7 مليار نسمة بحلول عام 2050 – كما تتوقع الأمم المتحدة – فإن ما يقرب من 850 مليون انسان جديد سيقيم في أحد هذه البلدان.

ولا تملك أي من هؤلاء الثمانية الدول التي تنمو سكانيا بسرعة كبيرة أي خبرة في الحكم الرشيد أو الإدارة الاقتصادية السليمة، ولكن جميعهم مليئون بالشباب الموهوبين والمبتكرين الذين يمكنهم المساهمة بشكل كبير في بلدانهم والعالم، إذا تم إطلاق العنان لمواهبهم.

وتواجه كل حكومة التحدي الأساسي المتمثل في مساعدة شعبها على النمو والازدهار، وهي نتيجة طبيعية لفكرة التنوير في القرن الواحد والعشرين التي مفادها أن الحكومة يجب أن تسعى إلى “تعظيم حجم السعادة لأكبر عدد ممكن” ومن الصعب قياس السعادة، ولكن التنمية البشرية ونصيب الفرد من الدخل يمكن قياسه.

ومن بين البلدان الثمانية التي من المتوقع أن تغذي النمو السكاني في المستقبل، هناك بلد واحد فقط على قائمة أفضل 100 دولة في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية وهي مصر، حيث تحتل مصر المرتبة 97. وتقع باقي الدول باستثناء مصر، في أدنى فئتين في مؤشر التنمية المتوسطة أو المنخفضة، وجميعهم يقعون عند أو بالقرب من أدنى تصنيفات لنصيب الفرد من الدخل.

فهل تلك البلدان مستعدة للطوفان السكاني؟ وهل سيدمرها الطوفان، أم أنها ستزدهر بفضله؟

إن النمو السكاني الكبير في الاقتصادات الفاشلة والمتخبطة تزعزع الاستقرار بطبيعتها سواء داخل حدودها أو خارجها، ومن ناحية أخرى، يمكن أن يعمل عدد كبير من السكان في الاقتصادات المزدهرة ذات التنمية البشرية القوية كمضاعف قوة قوي يمكنه إفادة كافة القطاعات في الداخل والخارج.

وباستثناء مصر والدول السبع الأخرى، أين يقف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ فالسكان الأسرع نموا والأكبر حجما في المنطقة هم السودان واليمن والعراق، ويتوقع المكتب المرجعي للسكان، وهو مركز أبحاث غير ربحي، أن ينمو عدد سكان السودان بنسبة 80 في المئة حتى عام 2050، مما يوصله إلى أكثر من 84 مليون نسمه. ويمكن للعراق أن يقترب من 75 مليون نسمة بحلول نهاية عام 2050، في حين يمكن أن يتضخم عدد سكان اليمن ليصل إلى 55 مليون نسمة.

وعلى النقيض من ذلك، فإن البلدان الأخرى المكتظة بالسكان في المنطقة مثل إيران والمغرب تنمو ببطء، حيث يبلغ معدل الخصوبة في إيران 1.7 مولود لكل امرأة على قدم المساواة مع الدول الاسكندنافية بطيئة النمو، وعلى سبيل المقارنة، فإن معدل الخصوبة في السودان يبلغ 4.5.

وفيما يتعلق بدرجات نصيب الفرد من الدخل وتصنيفات التنمية البشرية، صعدت دول مجلس التعاون الخليجي في الترتيب فوق بقية منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن المؤكد أن ثروة النفط والغاز لعبت دورا في تلك التصنيفات، ولكن الحوكمة السليمة، وخاصة في البلدان الأكثر تقدما مثل الإمارات العربية المتحدة والتي تحتل (المرتبة 26 في العالم في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية، متقدمة على إسبانيا وفرنسا) هي أيضا عامل مهم.

وقد تركت سنوات من سوء الإدارة وضعف الكفاءة والفساد وفي بعض الحالات الحروب الأهلية أو الإقليمية، العديد من البلدان في المنطقة في المؤخرة وتحاول اللحاق بالركب، والفجوة تتسع كل عام، فما العمل؟

ومن المؤسف أن المنطقة تحمل أمثلة كثيرة على ما لا ينبغي عمله، من بيروت إلى طرابلس إلى طهران، حيث اختلست النخب الفاسدة ثروات شعبها، وأهدرت حاضرها ومستقبلها. وتمتلك البلدان الثلاثة لبنان وليبيا وإيران مواقع جغرافية استراتيجية، وسكانا موهوبين، كما تملك ليبيا وإيران موارد طبيعية هائلة.

وعلى الرغم من عدم وجود نموذج واحد يناسب الجميع، فمن الواضح الآن أن البلدان التي تستثمر في التعليم والرعاية الصحية، وتعزز قطاعا خاصا حيويا ونابضا بالحياة، وتخلق تنظيمات وتشريعات محفزة لرواد الأعمال، وتحارب الفساد، وتبني البنية التحتية للاتصال، هي من تتربع على قمة تصنيفات مؤشرات التنمية.

لا توجد أسرار للوصول إلى النجاح. ويعرف الجميع ما ينبغي فعله، وستكون البلدان التي كانت تفعل ذلك حتى الآن – وما زالت تفعل ذلك – رابحة في القرن الـ 21، والأهم من ذلك، أن شعوبها ستكون في وضع يمكنها تحقيق أهم هدف للتنمية البشرية على الإطلاق وهو توظيف كامل طاقاتها.

 

أفشين مولافي هو زميل فخري في معهد السياسة الخارجية التابع لكلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة ومحرر ومؤسس النشرة الإخبارية للعالم الناشئ.