ستبقى منطقة شرق المتوسط في حالة من التوتر؛ وإن لم يُرجَّح انتهاؤها إلى نزاع كبير

هنري جي باركي

AFP photo: Turkish Defense Ministry

قدر كبير من الغموض يسود منطقة شرق البحر المتوسط. فقد تفاقمت الصراعات السياسية القديمة، كالنزاع التركي القبرصي، ناهيك عن النزاع بين إسرائيل ولبنان (إضافةً إلى إيران) تبعًا للتطورات الأخيرة التي لم تتبيَّن عواقبها بعدُ. القواعد الجيوسياسية المتغيرة لمصادر الطاقة، والتي تلت اكتشاف كلٍ من قبرص ومصر وإسرائيل للغاز الطبيعي، إلى جانب الخلاف بين الولايات المتحدة وتركيا حول المسألة السورية والذي تفاقم بشراء أنقرة منظومة روسية متقدمة من صواريخ الدفاع الجوي، واستئناف هجوم القوات الروسية والسورية على محافظة إدلب مما أدي إلى محاصرة المعارضين المدعومين تركيًا بل وبعض القوات التركية كذلك؛ جميع تلك الأحداث عوامل خطر تشير إلى الحالة الهشة التي صارت عليها المنطقة.

ينتاب الاضطراب كلٌ من الأتراك والروس، وإن تباينت أسباب كلٍ منهما، فيما يخص ظهور ترتيب قبرصي–مصري–إسرائيلي لتصدير الغاز إلى أوروبا، تعززه اليونان وتدعمه الولايات المتحدة بقوة. تدرك روسيا أن هذه المجالات الجديدة للتعاون (ولعل المزيد منها قادم) تمثِّل منافسة مُحتملة لهيمنتها على السوق الأوروبية، حيث توفر خطوط الأنابيب الروسية، التي تمتد عبر تركيا وبحر البلطيق، نسبة 40 بالمئة من احتياجات الاتحاد الأوروبي و50 بالمئة من احتياجات تركيا للغاز. ولم ينتهِ ما بجعبة الروس عند هذا الحد؛ حيث يوجد خطان آخران للأنابيب يقتربان من استكمال إنشائهما.

كان من الممكن لتركيا ترسيخ دورها كدولة عبور، حيث أن الوسيلة الأكثر فاعلية اقتصاديًا لوصول غاز شرق المتوسط إلى أوروبا هو عبوره من تركيا. إلا أن أنقرة، التي تربطها علاقات سيئة بجميع الدول الثلاث وقد احتلت جزءًا كبيرًا من الأراضي الصربية منذ 1974، اختارت أن تلقي بالعراقيل أمام جهود إتمام الترتيب الثلاثي بين هذه الدول. بل إنها طعنت في حق قبرص في التنقيب، وأرسلت سفنًا حربية لمطاردة السفن الإيطالية المزلزلة التي تعاقدت عليها نيقوسيا حتى طردها، وألمحت إلى أنها بصدد المشاركة في التنقيب في مناطق اقتصادية خالصة للغير EEZ. وبينما تدَّعي تركيا حمايتها لحقوق القبارصة الأتراك، فإن قبرص تتمتع بدعم الاتحاد الأوروبي كعضو في تلك المنظمة، وبدوره هدِّد الاتحاد تركيا بتوقيع عقوبات عليها نظرًا لتحركاتها العدوانية.

ولا يقتصر المفسدون المُحتملون للاتفاق على تركيا. فلبنان، الذي لم يكتشف بعدُ أي غاز طبيعي قبالة شواطئه، لديه خلافات مع إسرائيل بخصوص حدود المناطق الاقتصادية الخالصة التي تخص كلًا منهما. وربما الأهم من ذلك هو وجود حزب الله، وكيل إيران في المنطقة، والذي غالبًا ما يعمل بشكلٍ مستقلٍ عن حكومة بيروت، ويمكن أن يحاول التدخل في عمليات التنقيب عن الغاز بتحريض من إيران. وقد فعلتها حركة حماس من قبل بالفعل.

هذا المزيج من العوامل الخطرة تزيده سوءًا السياسات المحلية، والحضور البارز لعدد من الرجال الأقوياء الذين لا يتقبّلون أن تُقابل أوامرهم بالرفض، فضلًا عن التقنيات التخريبية كالطائرات دون طيار، والأوضاع الجيوسياسية غير المستقرة في العموم.

ولا تزال أنقرة يعمها حالة من الغموض. كما تشعر تركيا بتزايد وضعها الانعزالي، فقد خلق نزاعها مع الولايات المتحدة بخصوص شراء تركيا واستلامها لمدفعيات الدفاع الصاروخي الروسية من طراز إس 400 صدعًا هائلًا في العلاقات مع القوة الأولى في حلف شمال الأطلسي (الناتو). سارعت واشنطن إلى إقصاء تركيا من برنامج إنتاج الطائرة المقاتلة من طراز إف 35. لن يحصل الأتراك على تلك المقاتلات عالية التقدم. لكن، وعلى ذات القدر من الأهمية، فقد تم استبعاد تركيا من عملية إنتاج الطائرة سالفة الذكر. كانت تركيا، كعضو في التحالف، مسئولة عن جزء من عملية الإنتاج؛ وهو أمر لم يكن واعدًا بتأمين أرباح من النقد الأجنبي أنقرة في أمس الحاجة إليها، بل كان أيضًا ليصل بها إلى دراية فنية بصناعة التأمين الدفاعي بالغة الأهمية.

لقد أساء الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” تقدير الأمور، حين توقع أن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” يمكن أن يحميه من الكونغرس ووزارة الدفاع الأمريكيين، اللتان تتصوران أن منظومة إس 400 تشكِّل خطرًا محدقًا ببقاء المقاتلة إف 35؛ حيث تخشى حصول الروس – ولو بشكل غير مباشر – على بيانات حساسة تخص نقاط ضعف المقاتلة أو التكنولوجيا السرية المستخدمة فيها.

إن ظن “إردوغان” أنه سينال امتنان القائد الروسي “فلاديمير بوتين” الدائم، نظرًا لشراء دولته العضو بحلف الناتو تقنية عسكرية روسية متقدمة في سابقة هي الأولى من نوعها، فلابد أن يصيب الإحباط “إردوغان”. فبعد فترة وجيزة من تسليم الدفعة الأولى من منظومات إس 400، شرع الروس في ممارسة ضغوطات كبيرة في المقابل على تركيا وحلفائها في عزم صميم على تمديد الحكم الشرعي لحكومة دمشق على أراضيها. تعرضت قافلة عسكرية تركية في إدلب لقصف بالغ الدقة من قِبل القوات الجوية السورية (ويُحتمل أنه تمّ بتعاون وثيق مع أنصارها الروس)، ومنع هذا القصف القافلة من التقدم. يكمن أكبر تخوفات أنقرة – وهو تخوف وجيه – في أن يطلق هذا التقدم السوري الروسي الأخير موجةً أخر إضافية من تدفق اللاجئين السوريين إلى الأراضي التركية.

تركيا الآن على خلاف مع الروس والأمريكان والأوربيين؛ جميعًا في ذات الوقت. ربما تفسر نقاط الضعف الاستراتيجي الملموس لدى “أردوغان” – بصورة جزئية – سلوكه الآخذ في التخبط في الداخل التركي.

رغم ما سبق، فهو لا يعني أن حربًا كبرى على وشك الاندلاع في منطقة شرق المتوسط. تبعًا لكل الأسباب المُحتملة التي سبق طرحها، تظل الحقيقة أنه من غير المُرجَّح وقوع نزاع صريح؛ بل سيكون ما تمر به المنطقة هو توتر متواصل ومحتدم يتجلى في صورة تهكمات وتهديدات، وربما حتى مناوشات طفيفة بين الحين والآخر. هنالك اثنين من الأسباب العامة لذلك. يتمثل أولهما في طول مدة التجهيز، ما بين عمليات البحث والاستكشاف والاستغلال الفعلي لمصادر الغاز. وثانيًا، ليس من مصلحة أيٍ من الأطراف الكبرى صاحبة الأدوار الرئيسية في المنطقة تحويل النزاع إلى حرب، فمثل هذه الحرب من شأنها أن تؤدي إلى فرار المستثمرين وتلويث سمعة جميع الأطراف في تلك العملية.

مع ذلك، فقد ثبت أن انعزال تركيا هو فائدة أصابت التحالف بين كلٍ من قبرص ومصر وإسرائيل من حيث لا تدري الدول الثلاث، إذ يمكِّنهم من توطيد علاقتهم ببعضهم البعض، كما ييسّر لهم المزيد من استكشاف سبل تصدير الغاز الموجود بأراضيهم. كانت تلك الدول قد شكّلت في يوليو الماضي منتدى شرق المتوسط للغاز، أو EMGF، بالمشاركة مع اليونان وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية. لا يزال هذا المنتدى وليدًا، إلا أنه يتمتع بالقدرة على توفير درجة ما من الشرعية والأمان والزخم في إطار بحث الدول المشاركة عن وسائل لتصدير الغاز الطبيعي. وقد توسّعت الدول المشاركة في مناقشة إنشاء خط أنابيب يمر عبر اليونان متجهًا إلى إيطاليا، واعتبرته مشروعًا باهظ التكلفة إلى حدٍ بعيد –تصل تكلفته إلى 7 مليارات دولار – بالنظر إلى الكميات المتاحة حاليًا من الغاز. غير أنه دراسة مسألة البحث عن طرق بديلة، تشمل نقل الغاز في صيغ سائلة، قائمة على قدم وساق.

“هنري جي باركي” كاهن أستاذ للعلاقات الدولية بجامعة “ليهاي” الأمريكية للأبحاث الخاصة، وأحد كبار الزملاء المساعدين بمعهد دراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية. من بين وظائفه السابقة، كما عمل كعضو في فريق تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية؛ والتي تعمل بالأساس على معالجة القضايا ذات الصلة بالشرق الأوسط وشرق المتوسط والمخابرات.