قرع الطبول من الضم في إسرائيل، لكن ماذا بعد؟

جوزيف دانا

AFP photo: Menahem Kahana

يمكنك أن تتغاضى بسهولة عن مدى أهمية الانتخابات العامة المُزمَع إجرائها في إسرائيل بالنسبة لمستقبل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني إذا لم تكن مُنتبهًا لها من الأساس، فمن الممكن أن تُقرر تلك الانتخابات ما إذا كانت إسرائيل ستحافظ على الوضع الراهن لاحتلال الضفة الغربية، أو أنها ستتخذ خطوات أكثر جرأة، لضم جميع الأراضي بالإقليم رغم الحماقة الشديدة التي ينطوي عليها هذا الأمر، الذي قد يدفع الإسرائيليين والفلسطينيين إلى السقوط في هاوية الاضطرابات والمصير المجهول.

وقبل أن نفرغ العناصر المحددة، علينا أن نأخذ طرفي الطيف السياسي الإسرائيلي بعين الاعتبار؛ وهما معسكر “السيطرة” ومعسكر “الضم”.

منذ عام 1967، كان الهم الأكبر للاحتلال هو السيطرة على الفلسطينيين وعوضًا عن منحهم حقوقهم الكاملة عبر إقامة دولة فلسطينية أو حتى ضم الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل؛ وضع المُخططون العسكريون من البداية نظام رقابة مُحكم، وكان الأمر الأبرز، هو الفصل الفعلي بين المدن والبلدات الفلسطينية عن بعضها البعض، وذلك عبر نظام مُحكم من الطرق ونقاط التفتيش، وسمحت شبكة الطرق تلك للمستوطنين الإسرائيليين ببناء مُستوطنات يسهل الوصول إليها من المراكز السُكانية الرئيسية الإسرائيلية بالقدس وتل أبيب، وبالمقابل؛ تحولت المستوطنات إلى بلدات مُسافرين رخيصة الثمن للإسرائيليين الذين يعملون بوظائفهم في وسط البلاد، ويُعد الجدار الفاصل، الذي اكتمل بناءه بالعِقد الماضي، بمثابة صرح شاهق لاستراتيجية السيطرة الإسرائيلية.

وفي ذات الوقت؛ انخرط المجتمع الإسرائيلي في مظاهر لا تُصدق من التنافر المعرفي فيما يخص الالتزام بمفاوضات السلام والوصول إلى حل قائم على وجود الدولتين، وأي مواطن إسرائيلي وطأت قدماه الضفة الغربية أو القدس الشرقية؛ سواء كان مدنيًا أم عسكريًا؛ يعي تمامًا أن تنفيذ الحل الخاص بالدولتين بات من دروب المستحيل، وذلك بسبب الأوضاع الجغرافية، وقد تدفقت موارد عديدة لصالح الاحتلال من أجل السماح بتقسيم عادل للأرض بين الدولتين، وللسماح لفلسطين الحرة بتولّي أمور البنية التحتية التي تتبع إسرائيل بشكل كامل على المستوى العملي. لكن المفهوم الخاص بإمكانية استبدال الأرض بالسلام؛ والمفهوم الخيالي الخاص بأن إسرائيل كانت تفاوض بإرادة قوية من أجل الوصول لحل الدولتين سمح للإسرائيليين بالتخلص من العبء النفسي، الذي نشأ نتيجة مسؤوليتهم عن بقاء ملايين البشر تحت وطأة الاحتلال العسكري.

وقد بات الاحتلال الآن بمثابة الآلة التي تعمل بانتظام دون مشاكل، حيث برعت إسرائيل في استخدام فن السيطرة عبر الوجود العسكري والبراعة في التكنولوجيا. ومع الاقتصاد الإسرائيلي القوي؛ يهتم الكثير من الإسرائيليين بالتركيز على الشأن الداخلي، كما بدت القضية الفلسطينية كما لو كانت أقل ما يشغل بالهم.

لكن هناك مشكلة واحدة: دونالد ترامب.

بالرغم من أن معسكر السيطرة قد حدد السياسية الإسرائيلية السائدة؛ مع تحمل التيارات الحكومية اليمينية واليسارية على حد سواء مسؤولية ترسيخ الاحتلال؛ فقد تعالت الأصوات التي تنادي بضم الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من أنه كانت هناك بعض المناقشات التي دارت خلال الفترة الأولى للاحتلال والتي تتعلّق بضم الضفة الغربية؛ إلا أن المُخططين العسكريين سُرعان ما رفضوا تلك الخطط. فقد رأوا أن مسألة الضم خلال تلك الحقبة من التاريخ الإسرائيلي كانت ستُمثل تحديًا ديموجرافيًا هائلًا. ، وهو الأمر الذي نجحوا حتى الآن في تحقيق مُعظمه.

وقد توسعت المشاريع الاستيطانية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لكن خلال السنوات الأخيرة، بدأ الساسة اليمينيون في استخدام مسألة الضم في إطار البرامج الانتخابية، دون أن يدركوا ما هم مُقدمون عليه.

ومع انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة؛ عثر مؤيدو فكرة الضم على شريكهم الرئيسي، وعمد سفير ترامب في إسرائيل ديفيد فريدمان إلى تهيئة الأجواء الدبلوماسية لعملية الضم، مع حرص السفير على إطلاق تصريحات تؤكد الدعم الأمريكي للجهود المبذولة في هذا الإطار. ورغم أن مسألة الضم تعد بمثابة أداة للوصول للحكم بالنسبة للساسة الإسرائيليين؛ فقد أصبحت بالنسبة لترامب وإدارته بمثابة هدف بالغ الأهمية.

وتلك القضية ستكون سببًا في مشكلة هائلة للمجتمع الإسرائيلي، فإذا تمت عملية الضم ستكشف الخطط العسكرية الإسرائيلية التي استمرت لعقود في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي تهدف إلى السيطرة على الفلسطينيين دون الاضطرار إلى إعطائهم هويات إسرائيلية. علاوة على ذلك، فالمجتمع الإسرائيلي غير مُهيأ لمسألة الضم، ولكن هل سيُمنح الفلسطينيون حقوقهم كاملة في أعقاب ضم الضفة الغربية؟، وإذا لم يحدث هذا؛ كيف ستتخلص إسرائيل من تصنيفها كدولة عُنصرية؟ وكذا إذا تحول الفلسطينيون المقيمون في الضفة الغربية إلى مواطنين إسرائيليين؛ ماذا عن التأثير الديموجرافي الذي سيطال الملايين من غير اليهود الذين تم دمجهم في دولة إسرائيل؟. بعبارات واضحة يُمكن القول أن الضم سيكون بمثابة نهاية إسرائيل بشكلها الحالي، كما أنه سيمثل أزمة وجودية على جميع المستويات داخل إسرائيل.

وهناك منافسة شديدة بين معسكري “السيطرة” و”الضم” للحصول على الأصوات، ويمثل معسكر السيطرة رئيس الأركان السابق ومنافس نتنياهو اللدود “بيني جانتس”، وعمد حزب جانتس إلى القيام بحملة للتحذير من مخاطر عملية الضم.

بينما يحاول نتنياهو من جهته استرضاء كلا الطرفين، حيث يحاول استرضاء أحد المعسكرين في العلن، مع تأييد المعسكر الآخر بشكل ضمني، وعلى مدار الأسبوعين الماضيين؛ قام نتنياهو بزيارة المستوطنات الرئيسية، كما وعد بأن حكومته ستقوم ببسط “السيادة اليهودية” على أراضي الضفة الغربية، ورغم أن المصطلح ذاته لا يعني شيئًا، لكنه يسلط الضوء على الشغف الإسرائيلي بعملية الضم، والذي يتصاعد بين جمهور الناخبين. ومن المُؤكد أن نتنياهو ظل داخل المشهد السياسي لفترة ، تكفي لأن يدرك الأخطار الهائلة التي ستطال إسرائيل بسبب مسألة الضم، ومن ثم فقد أقر نتنياهو بأنه لن يخوض في أي خطط ملموسة تخص ضم الأراضي إذا فاز في الانتخابات.

وعلى الرغم من كل تلك الدسائس، إلا أنه من الواضح أن معسكر الضم يزداد قوة يومًا بعد يوم، وأن هذا المعسكر بإمكانه تغيير الوضع الراهن بشكل ملحوظ خلال الانتخابات القادمة، ومع الأخذ في الاعتبار طبيعة أن الفلسطينيين يعيشون تحت وطأة احتلال عسكري؛ ومن ثمَّ فهم سيقبلون بأية حلول للتخلص من الوضع الحالي، وتكمن المشكلة في أن المصير المجهول الذي ستؤول إليه عملية الضم من شأنه أن يثير مخاوف الجميع ، الإسرائيليين والفلسطينيين على السواء.

لذا، احذر مما تتمناه خلال عهد دونالد ترامب.

يعيش جوزيف دانا بين جنوب إفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.