مغامرة السياسة الخارجية التركية تجاه سوريا مدفوعة بحسابات داخلية

عمر تاسبينار

جرت العادة أن نقول إن كل السياسة هي في الأصل محلية، لكن يفترض أن تكون السياسة الخارجية مختلفة. فبالمقارنة مع السياسة المحلية اليومية المدفوعة بالمجموعات ذات المصالح الخاصة والحسابات السياسية الضيقة، تتمحور السياسة الخارجية في جلها على “الاستراتيجية الكبرى” والمصلحة الوطنية، أليس كذلك؟ يجدر بك أن تعيد النظر. إن هناك دولاً كثيرة تُعتبر فيها السياسة الخارجية محلية أكثر من السياسة الداخلية، وتقع تركيا ضمن هذه الفئة من الدول. فلطالما كانت الأجندة الداخلية هي المحدد الأول لسياسة تركيا الخارجية، حيث يتجذر هذا التقليد في التاريخ التركي. ومع قيام الجمهورية الحديثة سنة 1923، استمرت الديناميات الداخلية في إملاء توجه السياسة الخارجية للبلاد. ومن أجل فهم غزو تركيا اليوم للأراضي السورية، سواء في عفرين أو غيرها من المناطق، يجب عليك أن تفهم تيارات اعتبارات السياسة الداخلية التي لطالما أثرت على قرارات أنقرة تجاه الدول الأخرى والتعديلات التي تطرأ على هذه القرارات.

لننطلق من العقود التي سعى خلالها أتاتورك وأتباعه “الكماليون” إلى تحقيق مشروع راديكالي لفرض الثقافة الغربية داخل البلاد، حيث تبنت أنقرة أيضاً رؤية استراتيجية ذات توجه غربي في شؤونها الخارجية. وقد شكل نشر الثقافة الغربية نقطة التقاء السياسة الداخلية مع نظيرتها الخارجية، كما انطوت الدفعة العلمانية ضد التقاليد الإسلامية داخل البلاد على الانعطاف بعيداً عن العالم العربي فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. فعند انهيار دولة الخلافة واعتماد القوانين والمؤسسات والملابس الغربية خلال ثلاثينات القرن الماضي، قطعت تركيا صلاتها التاريخية بالعالم الإسلامي، وتبنت سلوك إهمال غير مقصود تجاه الشرق الأوسط وعملت جاهدة على الانحياز للقوى الغربية. بالمختصر المفيد، أدى نشر الثقافة الغربية داخل البلاد إلى تحول استراتيجي تجاه الغرب في السياسة الخارجية.

وقد استمر هذا الاتجاه خلال الحرب الباردة أيضاً، ولا شك أن الوقائع الجيو-استراتيجية قد ساعدت تركيا على اتخاذ القرار بسرعة. فمع امتلاكها حدوداً مشتركة مع الاتحاد السوفياتي الذي يطالب بالسيطرة على الأراضي، أصبحت ضرورة إنشاء تحالف أمني مع الغرب حاجة ملحة، وباتت العضوية في حلف شمال الأطلسي على رأس أولويات أنقرة. إلا أن رحلة تركيا للوصول إلى الحلف لم تكن سهلة؛ فقد كان لزاماً عليها إثبات أهليتها للانضمام لحلف الأطلسي عن طريق إرسال قوات تركية إلى كوريا، حيث تم تأسيس الروابط الأولى للشراكة الأمنية بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية. ومرة أخرى خلال خمسينات القرن الماضي، حين قامت فرنسا وألمانيا بإطلاق مشروعهما للمصالحة التاريخية والتعاون الاقتصادي، بدأت تركيا في سعيها البعيد المنال للانضمام لهذه الشراكة الأوروبية التي تطورت لاحقاً لتصبح الاتحاد الأوروبي. وقد استمرت الديناميات الداخلية في تحديد السياسة الخارجية خلال العقود الموالية، فكانت علاقات تركيا مع الغرب، وخاصة مع أوروبا، في أفضل حالاتها حين سعت أنقرة لنشر الديمقراطية داخل البلاد، بينما تدهورت بشدة في كل مرة اتخذت فيها البلاد منعطفاً استبدادياً.

وقد تجلت أحدث الدلائل على هذا التذبذب في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الطويلة التي حكم خلالها نفس الزعيم السياسي، رجب طيب أردوغان. فعند توليه السلطة للمرة الأولى سنة 2003، اتخذ أردوغان خطوة مهمة تجاه الإصلاح والديمقراطية داخل البلاد. وقد أدى برنامجه الليبرالي إلى تحسين سجل تركيا السيء في مجال حقوق الإنسان عن طريق مقاومة إغراءات التيارات الإسلامية والقومية، وتبع هذا الأمر إنشاء علاقات جيدة مع الاتحاد الأوروبي بشكل سريع، وتلقت تركيا مكافأتها في صورة فتح باب المفاوضات للانضمام للاتحاد الأوروبي في 2005.

وقد ازدادت الصلة الواضحة بين السياسات الداخلية والسياسة الخارجية بروزاً حين تعلق الأمر بالشرق الأوسط. فقد ارتبطت التحسينات الديمقراطية المتعلقة بقضية الأكراد داخل البلاد بسياسة خارجية تقضي بـ”صفر مشاكل” مع الجيران. ومرة أخرى، أدت السياسات السلمية والديمقراطية التي تم تطبيقها في الداخل، خاصة بسبب عملية سلام مع “حزب العمال الكردستاني”، إلى اعتماد استراتيجية عالية النجاح في السياسة الخارجية الإقليمية. وبهذا، أصبحت سوريا، وهي الدولة التي هددت تركيا بغزوها سنة 1998 في أوج الحرب الداخلية ضد “حزب العمال الكردستاني”، بمثابة الجوهرة على تاج المشاركة الإقليمية الناجحة للحزب التي حققها أردوغان.

أما اليوم، فلم يبق شيء من سياسة “صفر مشاكل” الإقليمية التركية التي سبق أن حظيت بتقدير واسع، حيث أصبحت البلاد تواجه مشاكل مع جميع جيرانها، والسبب في هذا بسيط: فقد انقلبت السياسة التركية مرة أخرى لتصبح استبدادية ومعادية للأكراد. وقد استُؤنفت الحرب مع “حزب العمال الكردستاني” بشكل عنيف منذ سنة 2015، ولقي المئات، وربما الآلاف، حتفهم بين سنتي 2015 و2017 مع استهداف الجيش التركي لمناطق حضرية كبيرة في الجنوب الشرقي حيث يوجد الأكراد. وفي نفس الوقت، مكنت محاولة انقلاب فاشلة سنة 2016 (التي تعتبر مسألة غريبة ظلت عدة جوانب منها مجهولة حتى اليوم) أردوغان من إقامة نظام رئاسة “سلطاني” خال من أي ضوابط وموازين.

ورغم أنه يحلو لوسائل الإعلام الغربية تصوير أردوغان كإسلامي مصمم على تدمير إرث أتاتورك العلماني، إلا أن الاتجاه الحقيقي في السياسة التركية اليوم ليس “أسلمة” البلاد بل نشر القومية المدفوعة بمشاعر مناهِضة للولايات المتحدة والأكراد. ويركب أردوغان حالياً هذه الموجة القومية مستعيناً بمغامرته العسكرية في سوريا. ومرة أخرى، تُملي الديناميات الداخلية المتعلقة بالقومية الشعبوية المناهضة للولايات المتحدة السياسة الخارجية. ويحتاج أردوغان لتهييج النزعة القومية من أجل البقاء في مقعد الرئاسة، فجميع حساباته، سواء المتعلقة بالسياسة الداخلية أو الخارجية، مدفوعة بالرغبة في استمرار نظامه. وتُظهر أغلب استطلاعات الرأي أن عملية عفرين تساعد “حزب العدالة والتنمية” الذي ينتمي له أردوغان نظراً لحمى القومية التي خلقها الحزب. وبدل الانتظار حتى سنة 2019 لعقد انتخابات رئاسية، من المرجح أن يستغل أردوغان هذه الديناميات من أجل الدعوة لانتخابات مبكرة هذا الصيف.

وفي خلاصة القول، إذا أردت أن تفهم سبب دخول تركيا لسوريا في هذا الوقت بالذات، لا يسعك إلا النظر إلى أجندة أردوغان الداخلية. أخيراً، لقد احتاج أردوغان لهذه الحرب بسبب مشكلة داخلية مُلحة أخرى: الاقتصاد؛ فالتضخم المرتفع والبطالة المتزايدة وانخفاض ثقة المستهلكين كلها عوامل تشير إلى أن الوقت ليس في صالحه. وفي مثل هذه الظروف، ضاعف أردوغان الرهان على الشعبوية القومية وأطلق الغارة على عفرين. وقد خلق برنامجه المناهض للأكراد حلفاء غريبين؛ فشركاء أردوغان يتشكلون من مجموعة انتقائية: “حزب الحركة الوطنية” الذي يوصف بكونه ينتمي للفاشية الجديدة، والقوميين الجدد المغالين في العلمانية الذين يؤيدون إقامة علاقات قوية مع موسكو، والجيش التركي الذي يتمتع بالحرية المطلقة لحل مشكلة الأكراد بالطريقة الوحيدة التي يعرفها. نعم، إن كل السياسة محلية، ولا تشكل السياسة الخارجية استثناء في مغامرة تركيا الخطرة في سوريا.

AFP PHOTO / ADEM ALTAN