تدهور النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة وفيروس كوفيد 19 يهددان بتصعيد النزاعات في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا

دنيانيش كامات

AFP Photo: Adrien Barbier

قد تؤدي النزاعات الداخلية والخارجية التي تعيشها دول شرق المتوسط وموزمبيق والعراق إلى زعزعة الاستقرار بشكل خطير في إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا؛ وقد باتت النزاعات الجارية في تلك المناطق في انتظار الأسوأ.

يعود ذلك إلى سببين رئيسيين؛ أولهما جائحة فيروس كوفيد 19 السارية كالنار في الهشيم، والتي تستنزف معظم المجهودات الاستراتيجية للدول فيما يخص تسوية النزاعات. السبب الثاني هو تدهور النظام العالمي القائم على قواعد تضعها وتحركها الولايات المتحدة، وما عجَّل بتدهور هذا النظام بشكلٍ رئيسي هو ازدراء الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” – بل وعدائه – للتعددية والدبلوماسية. أصبحت أولوية “ترامب” متمركزةً حول ما يُسمى “فرص التقاط الصور”[1] (كما يفعل الرئيس الكوري الجنوبي “كيم جونغ أون”)، بدلًا من محاولة الوصول إلى أية حلول مستدامة طويلة الأجل. فمنذ صعود “ترامب” إلى سدة الحكم، نزع عن أمريكا الإنجازات متعددة الأطراف التي وقّعت عليها إدارة سلفه “باراك أوباما”؛ لا سيما الاتفاق النووي الإيراني واتفاقية باريس حول التغير المناخي واتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ. كذلك أعلنت حكومته انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية، كما عملت باستمرار على تقويض وحدة وتضامن حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وبناءً عليه، لم يكن من المُستغرب أن تصبح دولتان عضوان في حلف الناتو – أي تركيا واليونان – على شفا السقوط في بئر النزاع، في ظل الدور الأمريكي الذي لم يتجلى منه إلا الغياب. لا يمكن أن يتأتى حل للنزاع التركي-اليوناني إلا عبر جهود متعددة الأطراف يقودها طرف محايد. للأسف لم يعُد الاتحاد الأوروبي طرفًا محايدًا، ويعود هذا بالأساس إلى تورط إيطاليا وفرنسا كطرفين في النزاع الدائر في منطقة شرق المتوسط وفي المسألة الليبية ذات الصلة. كذلك غابت ألمانيا عن القيام بدورها في تلطيف حدة التوترات، برغم قدرتها على تحقيق ذلك. الساسة في برلين يواجهون معركة الانتخابات في العام القادم، فينتابهم القلق من إثارة غضب الرئيس التركي “رجب طيب إردوغان” خشية أن ينفذ تهديداته ويفتح الأبواب أمام اللاجئين لدخول أوروبا.

ينتظر الولايات المتحدة، بصفتها عضو رائد بحلف الناتو، دور رئيسي في ذلك النزاع. يمكنها أن تبدأه بالتأكيد على دخول تركيا كعضو في منتدى شرق المتوسط للغاز (EMGF)، وهي مجموعة تشكّلت من أجل التنقيب المشترك عن الغاز الطبيعي والنفط بمنطقة شرق المتوسط. يضم المنتدى إسرائيل والسلطة الفلسطينية ومصر وإيطاليا واليونان وقبرص، ويستبعد تركيا بوضوح. في الوقت ذاته، يتعين على الولايات المتحدة البناء على آخر اتفاق لوقف إطلاق النار في ليبيا بين حكومة الوفاق الوطني ومقرها طرابلس وحكومة طبرق التي يقودها خليفة حفتر. التوصل إلى حل أو صفقة لتقاسم السلطة في ليبيا من شأنه تخفيف الضغط فيما يخص النزاعات المستعِرة فيما بين الدول بالمنطقة.

لسوء الحظ، الذي يتزامن مع خسارة تهدد معظم ما حققه المنتدى جرّاء النزاع الدائر في ليبيا أو في شرق المتوسط؛ لم يزِد الاتحاد الأوروبي نفسه إلا تأزمًا حين تورط في التحيز بشدة في هذين النزاعين. تقف فرنسا وإيطاليا على طرفي النقيض في النزاع الليبي. وعلى مدار سنوات، تبنى الساسة الفرنسيون نهجًا مناهضًا بقوة للموقف التركي – سواءً في مسألة عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي أو قبرص أو أزمة اللاجئين، كما أدى إرسال فرنسا لطائرتيْ “رافال” وفرقاطة بحرية إلى اليونان إلى تفاقم النزاع بدلًا من تهدئته.

قد يُفضي اعتماد نهج متعدد الأطراف في سوريا إلى إعادة توطين اللاجئين، وهذا سيقود بدوره إلى فقدان “إردوغان” لإحدى أوراق المساومة التي لا يفتأ يستخدمها مع أوروبا، وربما تيسّر قبوله بتسوية فيما يخص النزاعات في ليبيا وقبرص وشرق المتوسط.

أما في موزمبيق، يُنظر إلى حركة التمرد الإسلامية في المحافظات الشمالية بالبلاد باعتبارها ردة فعل عسكرية من متعهدي الشركات الأمنية الخاصة والدول المجاورة، إلى جانب حكومة موزمبيق. حتى مع ادعاء الإسلاميين في البلاد البيعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، تشير جميع الأدلة المتوفرة إلى أن مظالم هذه المجموعة تكمن في الفساد والاغتراب السياسي. حتى الآن، “ردود الفعل” على هذا الصراع باتت إما حلول أمنية بامتياز، حيث يسعى متعهدون للشركات الأمنية الخاصة من جنوب إفريقيا وروسيا والولايات المتحدة إلى التدخل، أو تمثّلت في اتفاقية شركة الطاقة الفرنسية “توتال” التي أبرمتها مؤخرًا مع حكومة موزمبيق لتأمين أصول الشركة من الطاقة داخل البلاد.

وفي مشاهد تبعث فينا ذكريات العراق، تمكّن المتمردون في مطلع أغسطس الماضي من السيطرة على مدينة بشمال موزمبيق تقع بالقرب من مستودعات الغاز المملوكة للدولة؛ وهو ما يستدعي الذكرى المخيفة لكيفية انطلاق شرارة “التمرد الداعشي” في الشرق الأوسط. إذا نجح هؤلاء المتمردون في الاتصال بالجماعات المسلحة الأخرى في إفريقيا، فيمكنهم زعزعة الاستقرار في نصف القارة تقريبًا. هنا أيضًا تصمّ أمريكا آذانها، ولعله توجه غير مفاجئ؛ فقد أوقفت أمريكا تحت قيادة “دونالد ترامب” تمويل برامج الإغاثة في إفريقيا بعد مرور حوالي عام ونصف العام على تخصيص منصب دبلوماسي بوزارة الخارجية الأمريكية لشئون القارة الإفريقية.

وفي العراق، تحث إدارة “ترامب” الإدارة الجديدة لرئيس الوزراء “مصطفى الكاظمي” على شن حملة ضد الميليشيات الموالية لإيران. لكن الولايات المتحدة لا تقدم للكاظمي الدعم السياسي أو الدبلوماسي اللازم لتمكينه من تكوين إجماع سياسي ينتشل العراق من الدوران في الفلك الإيراني. حيث ألقت حكومة “الكاظمي” القبض على أعضاء في ميليشيا موالية لإيران في يونيوالماضي؛ لكنها أطلقت سراحهم في غضون ثلاثة أيام. إذا ما مارست الولايات المتحدة مزيدًا من الضغط على الكاظمي، فإنها تخاطر بمزيد من إشعال الفتنة السياسية بالعراق.

رجال “الدولة العميقة” في مجال السياسة الخارجية الأمريكية تلزمهم نظرة شمولية إلى مسألة تسوية النزاعات، ووعي وإدراك للترابط بين تلك النزاعات؛ أي يلزمهم أن يصبحوا على تناقض مطلق مع نهج “ترامب” في السياسة الخارجية القائم على الصفقات. وسواءً أتت النتائج بالخير أو بالشر، فنحن لا نزال نعيش في عالم القطب الواحد. لم تتمكّن الصين وروسيا بعدُ من تقديم نماذج عملية بديلة للريادة في مجال تسوية النزاعات وإحلال السلام. وحتى تظهر أقطاب جديدة، لا بد للعالم من أن يتوقع استمرار أمريكا في قيادته.

 

“دنيانيش كامات” محلل سياسي في شئون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، كما يقدم استشارات للحكومات فيما يخص السياسات والمبادرات الاستراتيجية الهادفة إلى تعزيز النمو في الصناعات الإبداعية كالإعلام والترفيه والثقافة.