التحالف بين الصين وإيران حقيقي، وله تداعياته على كلا الطرفين

يون صن

AFP Photo: Iranian Army office

تفاجئ الكثيرون بعد الكشف مؤخرًا عن اتفاق بين الصين وإيران لتعزيز العلاقات الاقتصادية والأمنية بينهما. ويجد البعض أنه من الغرابة بمكان أن تريد بكين إحداث المزيد من التوتر في العلاقة مع واشنطن. ويتساءل آخرون عن الحكمة من دعم بكين الصريح لطهران، وهو الأمر الذي قد يخل بالتوازن الدقيق، الذي اجتهدت الصين للحفاظ عليه لنفسها، بين إيران والمملكة العربية السعودية. وفي الواقع، تسعى الصين على وجه التحديد إلى إبرام مثل تلك الصفقات مع إيران لبناء حلفاء بين الدول “ذات التفكير المماثل” لمواجهة ما تعتبره بكين تحالفًا مناهضًا للصين بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وتلك التحالفات أكثر أهمية مما تعتقد الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الوقت ذاته، أكثر هشاشة مما قد تأمله بكين.

إن تدهور العلاقات بين بكين وواشنطن في السنوات الأخيرة هو ما دفع الصين إلى محاولة إقامة علاقات مع شركاء غير مرغوب فيهم من قبل. وهناك روسيا وإيران، وهما من بين الدول الهامة لمنافسة القوى العظمى، كما انهم لم يصبحوا أعضاء في النادي الغربي بعد، لكنهما من أكثر “القوى الصديقة” تبعية للصين. وأصبحت إيران، بفضل تأثيرها الإقليمي وطموحها في الشرق الأوسط، فضلاً عن مظالمها وتحديها لواشنطن، أكثر جاذبية لإستراتيجية الصين الكبرى.

وفي هذا العام، أصبحت إيران أكثر أهمية وجاذبية كحليف للصين بعد تدهور العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين بسبب فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19”. إن “التعقيدات غير المسبوقة في البيئة الخارجية”، كما أوردتها افتتاحية صحيفة الشعب اليومية، جعلت بكين في تصادم مباشر مع العديد من الدول، ومنها أستراليا والهند وكندا واليابان وأوروبا، حول مجموعة متنوعة من القضايا – بدءًا من النزعات الإقليمية والمحلية، وصولاً إلى وضع هونغ كونغ وتايوان. وبينما تشهد العلاقات الصينية الأمريكية، والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة أسوأ فتراته، تسعى بكين إلى جذب أي قوة متعاطفة يمكنها تعزيز مكانة الصين الدولية.

وحتى قبل الجائحة، أظهرت الصين وإيران وروسيا بالفعل رغبة في الاتحاد حول هدف إستراتيجي. وفي كانون الأول/ ديسمبر، استضافت الدول الثلاث أول تدريب عسكري مشترك على الإطلاق في خليج عمان. وعلى الرغم من أن الجيش الصيني برر التدريبات على أنها دليل على إرادة الدول الثلاث وقدرتها على الحفاظ على السلام والأمن البحري في المنطقة، إلا أن الكثيرون وجدوا في تلك الخطوة إشارة إلى تحدي الجيش الأمريكي في المنطقة.

وتتضمن الاتفاقية الصينية الإيرانية، بقدر ما يمكن استنباطه من المواد التي تم تسريبها، التمويل الصيني لتطوير البنية التحتية الإيرانية مقابل الحصول على النفط الخام الإيراني بسعر امتيازي. وخفضت الصين وارداتها النفطية من إيران بعد انتهاء صلاحية الإعفاء الذي منحته واشنطن في آيار/ مايو 2019. وتسارعت وتيرة هذا التخفيض خلال هذا العام. وحدث التخفيض في الواردات الإيرانية حتى مع ارتفاع إجمالي واردات الصين من النفط، والتي بلغت “10,4” مليون برميل يوميًا في آيار/مايو، بزيادة قدرها “4,5%” في العام.

وبضغطٍ من الولايات المتحدة الأمريكية، عدلت بكين إجراءاتها على مضض بما يتناسب والعقوبات الأمريكية. ومع ذلك، لا تزال الصين غير راضية إلى حد كبير عن الولايات المتحدة الأمريكية لانسحابها من الاتفاق النووي الإيراني. إن بكين لا تلقي باللوم على انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية واستمرار العقوبات في التوتر المتزايد في المنطقة فحسب، بل تشعر بالاستياء من الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الأضرار التي ألحقتها بالصين، وخاصة الولاية القضائية الأمريكية الطويلة على الشركات الصينية التي تتعامل مع إيران. والأصل في ظهور قضية تسليم المجرمين الجارية حاليًا في كندا بخصوص تسليم “منج وانز”، المدير المالي لشركة هواوي، هي العقوبات الأمريكية على إيران.

ومن الناحية العملية، وعلى الرغم من معارضة بكين للعقوبات الأمريكية على إيران، إلا أن التعاون الاقتصادي الصيني الإيراني لم يستطع بعد الالتفاف على تلك العقوبات. وفي حالة تنفيذ اتفاقية التعاون بين البلدين، فيكون السبيل لذلك على الأرجح هو نظام المقايضة الذي تطبقه الدولتان منذ فترة طويلة. وتنص الاتفاقية على تفادي المعاملات المالية المباشرة، واستخدام المنتجات الصينية وخدماتها في التجارة مقابل النفط الإيراني.

علاوة على ذلك، هناك اعتقاد راسخ بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا ترغب في فرض عقوبات على المؤسسات المالية الصينية الرئيسية، مثل بنك الصين، وأبرز المؤسسات الصينية المملوكة للدولة، مثل مؤسسة البترول الوطنية الصينية “CNPC”، وذلك خوفًا من تعطل الاقتصاد الأمريكي. وعلى الرغم من الاستعداد غير المسبوق الذي أظهرته إدارة “ترامب” لمعاقبة الكيانات الصينية لأسباب متنوعة، إلا أن بكين تراهن على أن واشنطن لا ترغب أن تصل الأمور إلى حد وضع تلك المؤسسات الكبرى تحت العقوبات مقابل تجارة المقايضة. كما تراهن الصين على أن الانتخابات الأمريكية في تشرين الثاني/ نوفمبر ستفرز إدارة جديدة، وقد يكون أمام بكين بعض الوقت للتعرف عليها دون إثارة.

ومن الواضح أن إيران في أمس الحاجة للاستثمار والتعاون الاقتصادي، بينما تتنافس الصين على الشراكات والدعم والحلفاء المحتملين. وأصبحت الاتفاقية أمرًا ضروريًا بسبب الاحتياجات الإستراتيجية المتبادلة. ومع ذلك، ستظل الاتفاقية غامضة سواء كانت مجدية أو مرغوبة من الناحية الاقتصادية.

وترفض الصين تكرار علاقتها مع فنزويلا، حيث فشلت الصين في استرداد التمويل الضخم الذي عرضته على “كاراكاس” – وهي الأموال التي كان من المفترض سدداها بالنفط الخام؛ لأن فنزويلا أفلست، ولم تستطع ضخ النفط. ومن جانبها، لا تريد إيران أن تستمر المدفوعات بالنفط لفترة طويلة. ولطالما تشعر إيران بالقلق على وجه الخصوص من إبرام صفقات دون المستوى مع الصين بسبب البيئة الخارجية غير المواتية لطهران. وإذا قررت إيران تحسين علاقاتها مع الغرب، فستؤدي الشروط التجارية الصارمة مع الصينيين إلى الضغائن والاستياء. وبينما يرغب البلدين، في الوقت الحالي، في العمل معًا، فلن تكون العلاقة خالية من المتاعب.

إن العالم يزداد انقسامًا إلى معسكرين بسبب تنافس القوى العظمى. وقد تظهر الصين وإيران، إلى جانب روسيا، كقوى المحور الجديد في الرواية الغربية.

 

يون سون، مدير برنامج الصين، والمدير المشارك لبرنامج شرق آسيا في مركز “ستيمسون” في واشنطن العاصمة. تمتلك “يون” خبرة في السياسة الخارجية الصينية، والعلاقات الأمريكية الصينية، وعلاقات الصين مع الدول المجاورة والأنظمة الاستبدادية.