التحدي الذي يواجه دول الشرق الاوسط المنتجة للنفط

روبن ميلز

من المعروف أن ثلث الغاز الطبيعي المسال الذي تستورده كل من آسيا وأوروبا يأتي من الشرق الأوسط، و يعمل النفط على دعم الاقتصاد الداخلي لدول المنطقة، كما يعمل على زيادة المكاسب التي تأتي من التصدير، لكن المصادر الجديدة للنفط، والتي تصاحبها العديد من الصعوبات، باتت تتطلّب إنفاق مئات المليارات من الدولارات للاستثمار في هذا المجال، وتمت الاستعانة بشركات النفط الحكومية من أجل إنتاج تلك السلعة، ولكي يتم هذا فقد بات على تلك الشركات تطوير نفسها بشكل كبير دون الوقوف عند حد معين، كما أن الأسواق في كل من آسيا وأوروبا يجب أن تراهن على تلك الشركات.

وفي البداية كان النفط في الشرق الأوسط عبارة عن منتج ثانوي يعمل على استخلاص الزيت، وكان النفط يُستخدم على المستوى المحلي بكميات بسيطة، وكان فائض النفط يتعرّض للاحتراق، وخلال فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، كان يتم استخدام إنتاج النفط لمواجهة ارتفاع عدد السكان، وزيادرة الطلب على الكهرباء، والتوسُع في صناع البتروكيماويات والصناعات الأخرى.

وبدءًا من العام 2000، فإن ازدهار الصناعات التي تعتمد على النفط أدّى إلى ارتفاع الطلب المحلي على النفط، بينما أدّى كل من العقبات التي تواجه الاستثمار، وأسعار النفط المخفضة، إلى التوقف عن إنتاج المزيد من النفط، كما أن الصراعات السياسية والتوقعات التجارية الغير حقيقية أدّت إلى إعاقة إمدادات النفط عبر خطوط الأنابيب على مستوى المنطقة، لذا فقد لجأت بعض الاقتصادات مثل الكويت ودبي ومصر والأردن إلى استيراد “الغاز الطبيعي المسال” من بعض المناطق، ومنها البعيدة مثل استراليا، وفي ذات الوقت، فقد أصبحت قطر أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم، وذلك بفضل حقل الغاز العملاق الذي يقع شمالي البلاد.

واليوم، فإن صناعة النفط على مستوى الشرق الأوسط تدخل مرحلة جديدة، وبعيدا عن قطر، فان هناك دول تعُد من مصادر النفط الجديدة مثل إيران والعراق، وتلك الدول تتكبّد نفقات هائلة من أجل إنتاج النفط، لذا بات عليها العمل على الحقول القديمة فقط، وعلى الرغم من أن الحكومات قامت برفع أسعار الوقود في غالبية الدول، إلا أن تكلفة الإنتاج لا زالت أعلى، وتباطئ معدل الطلب على النفط بالتزامن مع تراجُع اقتصادات المنطقة، زمع ذلك فستستمر تلك الحالة.

وعلى غرار أقرانها من الشركات الدولية مثل “شل” و”توتال” و” إكوينور “، فإن شركات إنتاج النفط الوطنية في منطقة الشرق الأوسط عمدت إلى تقليل الاعتماد على النفط، والتحول إلى الغاز بدلًا منه، والطلب الآسيوي على الغاز يزداد، وفي الصدارة الصين، التي تسعى الي ازالة اثر الضباب من السماء، بينما الاستهلاك الأوروبي على المدى الطويل يتسم بالثبات أو ربما الهبوط، ولا زال الإنتاج الأوروبي يشهد هبوطًا بشكل متسارع، وهذا يعني أن الدول الأوروبية بات عليها اللجوء إلى استيراد الغاز، وهي لا تفضل الاعتماد بشكل كامل على الاستيراد من روسيا.

لذا فإن التوقعات تقول إن الطلب على الغاز سيكون أكثر من النفط، الذي سيتعرّض بدوره لتحدِ خلال العقدين 2020 و2030، وذلك بسبب ظهور السيارات التي تعمل بالكهرباء، والواقع أن العولمة التي لحقت بتجارة الغاز الطبيعي المسال، والتي تُسأل عنها قطر ولو بشكل جزئي، تعني أن الغاز بات بمقدوره الوصول إلى أسواق متنوعة ومرنة أكثر مما كان الحال في السابق، وتقريبًا فإن كل دولة ساحلية تقع في أوروبا أو آسيا أو إفريقيا لا تقوم بتصدير الغاز الطبيعي المسال، فهي تستورد أو من المتوقع أن تستورد تلك السلعة.

لذا فإن شركات النفط الوطنية على مستوى الشرق الأوسط لديها طموحات من أجل إنعاش تجارة الغاز، والمملكة العربية السعودية تريد أن تحصل على 70% من إمدادات الطاقة عبر الغاز، ونسبة مساهمة الغاز في إمدادات الطاقة بالمملكة الآن تقف عند 50%، كما أن المملكة ستقوم باستثمار 150 مليار دولار على مدار الأعوام العشرة المقبلة، وذلك من أجل رفاع إنتاج الغاز من 14 مليار قدم مكعب إلى 23 مليار قدم مكعب يوميًا، وهذا يتطلّب تطويرًا غير تقليديًا للغاز (استخراج النفط من الصخور الزيتية )، كما فعلت الولايات المتحدة بنجاح منقطع النظير. وفي ذات الوقت، فإن عملاق الاقتصاد الوطني السعودي (شركة أرامكو)، باتت تنظر لما هو أبعد من سواحل المملكة، إلى القطب الشمالي البارد، حيث تقوم بمناقشات من أجل إقامة شراكة ومن ثم تطوير حقول الغاز في روسيا.

وتريد شركة بترول أبوظبي الوطنية أن تصل بالإمارات العربية المتحدة، إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في مجال الغاز، بدلًا من استيراد الغاز من قطر، والذي ما زال مستمرًا على الرغم من الأزمة السياسية بين البلدين، وسوف تقوم الشركة بإنتاج 1.5 مليار متر مكعب يوميًا من نوع جديد من الغاز مستمد من الغازات الحمضية، وسوف تقوم الشركة أيضًا بالشراكة مع “توتال” بالبحث عن الغاز بطرق غير تقليدية، حيث تأمل في الوصول إلى إنتاج يبلُغ مليار متر مكعب يوميًا بحلول العام 2030، ومُعظم تلك الكميات المتوقعة من الغاز سوف يتم استخدامها من أجل تغطية الاستثمارات التي ستقوم بها الشركة في مجالي الصناعات البتروكيماوية والتكرير، والتي تصل قيمتها إلى 45 مليار دولار.

وكانت عُمان في مركز الصدارة على مستوى المنطقة فيما يخُص صناعة الغاز الغير تقليدية، وقد تأثرت عملية تصدير سلطنة عُمان للغاز الطبيعي المسال نتيجة قلة الخامات، التي حدثت نتيجة ارتفاع الطلب المحلي، الا ان قيام شركة “بريتيش بتروليوم” بتطوير حقل “خزان” الضخم، أدّى إلى توفير فائض للسلطنة، والمعروف أن “خزان” هو أكبر حقل على مستوى العالم، خارج أمريكا الشمالية، يعمل بطريقة غير تقليدية.

ومصر أيضًا لها قصة، تتسم بالتعافي بعد فترة عناء، لكن هنا كانت المياه العميقة للبحر المتوسط بمثابة طوق النجاة، فقد اكتشفت شركة “إيني” الإيطالية حقل ظهر البحري في العام 2015، وكانت مصر، قد بدأت في استيراد الغاز الطبيعي المسال في العام 2015، بعد فترة طويلة ظلّت فيها من أهم مصدري الغاز، وها هي قد عادت مجددًا إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي.

وفي إبريل، أعلنت دولة البحرين، وهي أحد منتجي النفط الصغار، عن اكتشاف كميات ضخمة من النفط الصخري والغاز في الحقول البحرية، والغاز الحبيس، وهي تنتظر عمليات التقييم والتطوير.

وأخيرًا هناك قطر، وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك كلا من مصادر الغاز الضخمة قليلة التكاليف، والوسائل التي تمكنها من تطوير تلك المصادر، وقد استأنفت خطط إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وهي تريد أن تستعيد مكانتها كأكبر الدول المصدرة للغاز على مستوى العالم، وهو المركز الذي فقدته لفترة قصيرة لصالح أستراليا، كما أن الولايات المتحدة تنافس الدولتين، وتريد قطر رفع الإنتاج من 77 مليون طن سنويًا الآن إلى 110 مليون طن سنويًا بحلول العام 2024، وبتكلفة تتراوح بين 20 – 25 مليار دولار.

وتلك الخطط الاستثمارية تتسم بالضخامة، خاصة في وقت تعاني فيه الميزانيات من التضييق، وسيكون على شركات النفط الوطنية أن تخطو خطوة للامام فيما يخُص الإمكانات التقنية والتجارية والإدارية، بشكل كبير، من أجل تحقيق النجاح في تلك المشروعات الضخمة، والبعض سيحاول الوصول لذلك عبر الشراكة مع المؤسسات الدولية، والبعض سيحاول أن يفعل هذا بمفرده.والمغامرة والخروج من المحلية للمرة الأولى تتطلّب من تلك الشركات أن تتعلم مهارات جديدة تناسب الساحة الدولية.

إن الاستثمارات الصناعية، وتلك القائمة على الشراكة مع مؤسسات أخرى، تعُد حجر الاساس، فيما يخُص تنويع الوسائل، وعدم اقتصار النشاط على استخراج وتصدير النفط والغاز الخام، وسيكون أمام الحكومات خيارين، إما أن تتحمل الأعباء المالية الضخمة لتلك الشركات، أو أن تقوم برفع أسعار الوقود على المستوى الداخلي، من أجل توفير التكاليف اللازمة للعمل في تلك الحقول الجديدة، وهذا سيؤثر بدوره على الطلب، ويفقد الصناعة الجديدة ميزة التنافسية، وفي ذات الوقت، فإن هناك دول مختلفة على مستوى الشرق الأوسط بدأت تلجأ إلى الطاقة الشمسية والفحم والطاقة النووية، حيث كسرت “شبه الاحتكار” الذي كان يتمتع به الغاز كمصدر لتوليد الطاقة، وهذا يتطلّب في النهاية توفير أسواق حقيقية للغاز والكهرباء، كم هو الحال في أمريكا الشمالية وأوروبا.

إن طموحات دول الشرق الأوسط في مجال الغاز هي طموحات مبنية على اساس، بل إنها محتومة، واللجوء للمصادر عالية التكاليف، في الغالب، سيكون إجراء لا مفر منه، الا انه يتعين على الحكومات والمؤسسات الحكومية ان تحسن من ادائها، اذا كان من الممكن تنفيذ تلك الخطط.

Photo by HAIDAR MOHAMMED ALI/AFP