خذلان الشباب التركي

الكسندرا دي كرامر

AFP Photo: Yasin Akgul

يبلغ متوسط أعمار الشعب التركي “30” عامًا، ومن هنا تمتلك تركيا شعبًا صغير السن. ولكن ما الذي تقدمه الدولة لهؤلاء الشباب؟. ففي المقام الأول، لا وجود للوظائف. وشهدت تركيا ارتفاعًا في معدلات البطالة بين الشباب قبيل احتجاجات ميدان تقسيم في عام 2013، غير أن شهر أغسطس 2019 سجل أعلى مستوى للبطالة على الإطلاق، بنسبة “27%” من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 34 عامًا – أي ما يعادل حوالي 2.8 مليون شاب.

وعلاوة على ذلك، ارتفع عدد خريجي الجامعات العاطلين في الخمسة عشر عامًا الماضية عشرة أضعاف، وحاليا، يجد “26%” من خريجي الجامعات صعوبة في الحصول على عمل. وفي شهر أكتوبر، صرح أحمت أكين، عضو أبرز أحزاب المعارضة وهو “حزب الشعب الجمهوري”، في البرلمان، أن خمسة ملايين خريج جامعي لا يمكنهم سداد قروض الطلاب الخاصة بهم.

وفي ظل ما تشهده السنوات الأخيرة من ركود سوق العمل، والاضطرابات السياسية، وعدم الاستقرار الاقتصادي، فلا غرابة أن أفضل العقول التركية بحثت عن فرص في أماكن أخرى. وفي تقرير حديث أجراه “حزب الشعب الجمهوري ” عن الشباب، تبين أن أكثر من “70%” من الأتراك الشباب قالوا إنهم سيعيشون في الخارج إذا واتتهم الفرصة.

وتكشف البيانات الصادرة عن المعهد الإحصائي التركي أن “250,000” تركي قد انتقلوا إلى بلد آخر في عام 2017، وتبعهم “300,000” آخرين في عام 2018، منهم “42%” تتراوح أعمارهم بين 20 و 34 عامًا. ولأن ثمة احتمال أن من انتقل للعيش خارج تركيا يتحدث لغة ثانية، وحاصل على مؤهلات معترف بها دوليًا، ويمتلك مهارات وخبرات قابلة للنقل، فمن المحتمل أن تفقد تركيا قوتها العاملة الفذة.

وعلى الرغم من أن الرئيس “رجب طيب أردوغان” يدعي أن هناك جهودًا جارية لإعادة تلك العمالة الفذة، إلا أن أحدث أرقام الهجرة تشير إلى أن تلك الجهود غير مجدية، هذا إن وجدت من الأساس.
ووفقا لـ”يالشين كريتبيه”، عميد كلية العلوم السياسية بجامعة أنقرة، عند إضافة “27%” من الشباب العاطلين إلى “29%” من غير المتعلمين، فهذا يعني أن نسبة مذهلة تبلغ 56 في المائة من الشباب التركي – الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 34 – يجبرون على البطالة. وقال “يالشين”: “في الواقع، من بين كل شابين في تركيا، هناك شاب عاطل”.

وفي مقابلة مع قناة “سي أن أن تورك” التركية في عام 2017، أشار الصحفي “سردار كوزولوغلو” إلى بيانات تظهر أن “30%” من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 30 عامًا، يجنون أقل من 600 ليرة تركية، أو “104” دولار أمريكي شهريًا، أي ما يعادل 20 ليرة في اليوم، أو 3.50 دولار أمريكي. وتقاضى “33%” في نفس الفئة العمرية ما يتراوح بين “104” دولار أمريكي و”260″ دولار أمريكي شهريًا ، بينما كان “22%” يتقاضون راتبًا شهريًا قدره “415” دولار أمريكي أو أكثر. ولا غرابة بأي حال من الأحوال أن يقضي هؤلاء الشباب جُل وقتهم في التسكع. وقال كوزولوغلو: “لا طاقة لهم بأكثر من هذا”. “فكيف لهؤلاء أن يكونوا جزءًا من المستقبل؟”.

ويبلغ تعداد هذا “الجيل الضائع” في الوقت الراهن ستة “6” ملايين نسمة، ولكن إلى متى سيظل التجاهل مصير هؤلاء الشباب حتى بعد هذا التطور التكنولوجي؟.

إن ردة الفعل على فقدان رأس المال الفكري للبلاد ستكون بالغة، فأفضل ما يميز تركيا دومًا هو شبابها الهمام والمثقف. ويعيش الشباب التركي الآن في أزمة. وفي عالم سريع التغير، لا يفتقر الشباب التركي إلى العمل فقط، ولكن إلى المؤهلات، حيث تثير جودة التعليم العالي التركي أيضًا عددًا من الأسئلة التي نادراً ما يتم تناولها.

وفي تركيا، هناك ما يقرب من 200 جامعة. ولا يوجد واحدة منها ضمن أفضل “350” مؤسسة تعليمية وفقًا لتصنيف صحيفة التايمز للتعليم العالي. وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، تمت عزل 6000 مدرس جامعي من مناصبهم. ولأن الرئيس التركي هو من يعين جميع قادة الجامعات، فإن من يشغل تلك المناصب هم من لهم نفس الإيديولوجية السياسية بدلاً من اختيار المرشحين على أساس الجدارة.

ومن المشاكل الطويلة التي تواجهها البلاد هي افتقار سوق العمل إلى المرونة. وما زالت القوة المحركة للاقتصاد التركي هي صناعة البناء، والتي تستوعب حوالي مليوني شخص، منهم أكثر من 1.5 مليون عامل يدوي. ومن ناحية أخرى، تميل الصناعات الإبداعية سريعة النمو إلى توظيف عدد أقل من الناس. انقضى عهد “وظيفة العمر” – أو الاستقرار في وظيفة لعدد كبير من السنوات.

إن تبوأ تركيا المركز السابع والعشرين “27” ضمن أقوى الاقتصاديات المصدرة في العالم يعود بسبب كبير إلى قطاع الصناعات التحويلية. ويسهم إنتاج السيارات والآلات والحديد بأكثر من “54,2” مليار دولار أمريكي من قيمة الصادرات التركية السنوية والبالغ قيمتها “140” مليار دولار أمريكي. وجميعها قطاعات يمكن أتمتتها بسهولة، مما يعني انتقال المزيد من الأشخاص إلى صفوف البطالة.
ولم يفي وزير المالية، بيرات البيرق، حتى الآن بالـ”2,5″ مليون وظيفة جديدة التي سبق وأن وعد بها كجزء من خطة تجديد الاقتصاد، ويرجع ذلك جزئياً إلى تباطؤ معدل النمو بنسبة “2,6%”. تم توفير نصف مليون وظيفة جديدة فقط في عام 2018. ومن المتوقع أن يتخرج أكثر من سبعة ملايين طالب على مدار السنوات الأربع القادمة ولكن لا يوجد أي مؤشر على تنفيذ أي إصلاحات هيكلية لتمكن هؤلاء الخريجون من دخول عالم العمل.

وكانت طريقة أردوغان في التعامل مع هذه المشكلة هي أن يذكر في بداية هذا العام الدراسي أن “الشهادة الجامعية ليست ضمانة للعثور على وظيفة. ولا يوجد شيء من هذا القبيل في أي مكان في العالم. “

والحقيقة البسيطة هي أن تركيا، بسبب تخليها عن الاستثمار في شبابها، تمهد الطريق نحو حالة دائمة من الركود. فكم عامًا يتعين على الشاب العاطل أن يقضيه حتى يمكن اعتباره عاطل ؟، وكيف يمكن لأولئك العاطلين – وليس لديهم فرصة للحصول على وظيفة – توفير مستوى معيشي مناسب، ناهيك عن تحسينه؟. إن عدم وجود وظيفة دليلاً على عدم وجود راتب للإنفاق على السلع الاستهلاكية، وهو ما يزيد الاقتصاد بطئًا، وبهذا تكتمل الحلقة المفرغة.

إن الفشل التركي لا يشمل شباب اليوم فقط، ولكن ربما أجيال لم تولد بعد. كما أن الإدارة الكارثية للمستقبل ستكلف البلاد غالياً، والشباب هو الذي سيدفع الثمن الباهظ.

ألكسندرا دي كريمر، صحافية تقيم في اسطنبول. وتنقل “ألكسندرا” أخبار الربيع العربي من بيروت بصفتها مراسلة في الشرق الأوسط لصحيفة “مليت”. وتتناول “ألكسندار” في عملها أخبار الشؤون الجارية والأخبار الثقافية، ولها كتابات في مجلات “مونكليه” و”كورير”، و”مايسون فرانشيز” وصحيفة “اسطنبول آرت نيوز”.