سقوط كابول: هل ستفجر طالبان الموروث الثقافي الأفغاني أم يمكن إقناعها بالحفاظ عليه؟

ريم تينا غزال

AFP photo: Kamran Shafayee

“ففي التسامح، كن مثل المحيط المترامي الأطراف …” قد لا يعرف الكثيرون أن هذه الكلمات والتي هي عبارة عن دعوة للترحيب بالتعددية، هي في الواقع كلمات أحد الرموز التاريخية في أفغانستان، وهو شاعر القرن الثالث عشر والعالم المسلم جلال الدين الرومي. وقد أدعت تركيا وإيران وحتى دول مختلفة من العالم العربي نسبة الرومي إليها، ولكن يُعتقد أنه ولد عام 1207 في مدينة بلخ، الواقعة شمال ما يعرف اليوم بأفغانستان. وسيكون من المثير للاهتمام رؤية كيف ستتصرف طالبان مع ميراث الرومي والرموز الثقافية الأخرى التي ازدهرت في الماضي على الأرض التي تسمى اليوم أفغانستان. وإذا لم يُثر ذلك الموروث الأفغاني إعجاب حركة طالبان، فما الذي يمكن عمله لحمايته من بطش الحركة.

ولا توجد إشارات مبشرة في الوقت الراهن، فبعد فترة وجيزة من الانقضاض على كابول، أعلنت طالبان أنها قد تغيرت وتريد السلام، كما أعلنوا “العفو” عن كل من عمل ضدهم في السابق، وقالوا إنهم مستعدون للتعاون، حتى مع “أخواتنا”، ثم بعد ذلك بقليل قاموا بنسف أحد التماثيل.

فهل دمروا ذلك التمثال لأنهم اعتقدوا أنه يُروج لعبادة الأوثان، أو لأنه كان يصور أحد أعدائهم، أم لأن صاحب ذلك التمثال كان رجلاً شيعياً، أم لكل ما سبق؟ يستحيل الجزم، لكن من المحتمل إن تمثال عبد العلي مزاري، بطل أقلية الهزارة العرقية الأفغانية الذي أعدمته حركة طالبان عام 1995، قد لبى كل تلك الخيارات.

وبالطبع، لم يكن لتمثال مزاري قيمة ثقافية أو فنية عظيمة، بل أن تدميره أكسبه شهرة أكثر مما يستحق. لكن الأكثر إثارة للاهتمام أنه كان في مقاطعة باميان، الذي نسفت حركة طالبان فيها تمثالين ضخمين لبوذا يرجعان إلى 1500 عام، وكانا منحوتين في سفح الجبل، وكان ذلك في عام 2001، ولا يزال تفجير تلك التماثيل بالديناميت هو أكبر عمل تدمير متعمد للثقافة في التاريخ الحديث.

إذاً، هل يعد تدمير تمثال مزاري إشارة إلى كيف سيكون عليه حال البلد في المستقبل القريب؟ ومع انتهاء القتال ضد “الآخرين” أي القوات الأجنبية التي احتلت أفغانستان، هل سيتحول القتال الآن إلى الجبهة الداخلية ضد “الآخرين” أي ضد المشهد التاريخي والديني والاجتماعي الأفغاني؟

وهناك الكثير والكثير ممن يمكن لحركة طالبان اعتبارهم “الآخرين” في البلاد.

وتتمتع أفغانستان بتراث وتاريخ مفعم بالثراء، وبمجموعة متنوعة من الهويات التي طغت عليها الحروب والصراعات. ومن أفغانستان انتشرت البوذية إلى الصين، كما ازدهرت فيها الديانة الزرادشتية والمسيحية واليهودية والهندوسية قبل وبعد وصول الإسلام إليها في القرن السابع. وباعتبارها محطة رئيسية على طرق التجارة التي تعود إلى آلاف السنين والتي تربط الهند بإيران والصين، فإن أفغانستان مليئة بآثار المدن القديمة والأديرة واستراحات القوافل التي استضافت مسافرين مشهورين مثل الرحالة المغربي ابن بطوطة في القرن الرابع عشر، وماركو بولو من مدينة البندقية في القرن الثالث عشر.

وتنتشر القطع الأثرية القديمة في مختلف أنحاء البلد، ويوجد حالياً حوالي ثمانين ألف قطعة آثار في المتحف الوطني، ودمرت طالبان عددًا من تلك القطع الأثرية في المتحف، في المرة الأولى التي اعتلوا فيها كرسي السلطة. لكن في فبراير من هذا العام، منع قادتها بيع القطع الأثرية، وطلبوا من أتباعهم “حماية الآثار ومراقبتها والحفاظ عليها بكل ما أوتوا من قوة”، كما أوقفوا عمليات الحفر غير القانونية، وبدأوا في توفير الحماية لـ”جميع المواقع التاريخية”.

وسنرى ما إذا كانت تلك التعليمات الحازمة ستؤتي أكلها، وهل سيحمون القلب التاريخي لمدينة هرات؟ وهو موجود حاليًا على قائمة مؤقتة لمواقع اليونسكو للتراث، وقد استولى الإسكندر الأكبر على مدينة هرات عام 330 قبل الميلاد خلال حملته ضد الأخمينيين، وتلك المدينة أصبحت فيما بعد موقعًا رئيسيًا للإمبراطورية الهلنستية السلوقية.

ثم هناك مدينة بلخ، والتي أنجبت الرومي وابن سينا، المعروف في الغرب باسم أفنيسينا، والشاعر أبو قاسم الفردوسي، وكلاهما يرجع إلى نهاية الألفية الأولى. وقد يكون اسم مدينة بلخ معروف باسم مدينة باكتريا خاصة لأولئك الذين يترددون على المتاحف الغربية، وذلك الاسم يرمز إلى الحضارة القديمة التي يعود تاريخها إلى أوائل الألفية الثالثة قبل الميلاد، من السلوقيين إلى الساسانيين إلى الكثير من غيرهم. وتجذّر تاريخ الحضارة في أرض بلخ والعديد من المدن الأخرى في جميع أنحاء أفغانستان، وموقع مثل ميس عينك، يُعد موطنًا لمجمع يضم ما لا يقل عن سبعة أديرة بوذية والتي تُخفي تحتها هياكل من العصر البرونزي.

ومن المغري الاعتقاد بأن طالبان قد تغيرت، ولم لا، فقد تغير العالم برمته. ونريد تصديق أنهم سوف يلتزمون بتعليماتهم بعدم إلحاق الضرر بالتراث التاريخي والثقافي للبلد. وتكمن المشكلة في إن طالبان ملتزمة بالنأي بنفسها بعيدا عن “سموم الحداثة”، وهم بعيدين كل البعد عن مجريات العصر الحديث، ولا يرغبون في اللحاق بركبه، ولا يرون أي قيمة للموروث التفافي والتاريخي والإنساني التي تحتضنه بلدهم، ولا يرون قيمة إلا في رؤيتهم حول كيفية العيش في الماضي الغابر.

ولكن قد يكون هناك ضوء في أخر النفق، فحركة طالبان تستهجن تعاطي المخدرات، ولكن ليس لديها أي غضاضة في استخدامه من قبل الآخرين، وفي عام 2000، حظرت الحركة زراعة الخشخاش، مثلما حظرت اليوم التجارة في القطع الأثرية التاريخية.

لكن حظر الخشخاش تبخر في نهاية المطاف، واليوم تسيطر طالبان على أكبر مصدر في العالم من مواد الأفيونية غير المشروعة، والتي تمثل 80 في المئة من سوق الأفيون والهيروين العالمي، والذي حقق حصادا قياسيا في عام 2017، بمبيعات تعادل 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لأفغانستان.

والسؤال المحير هو ما إذا كان يمكن حث طالبان على حماية الموروث الأفغاني من خلال دفع أموال لها نظير ذلك، وقد لا ترى الحركة أي فائدة أو قيمة في تمثال لامرأة من مدينة باكتريا، على سبيل المثال، لكن هل يمكن إقناعهم بالحفاظ على ذلك التمثال إذا كان الحفاظ عليه سيُدر عليهم بعض الأموال؟ وهل يمكن إنشاء صندوق ائتماني دولي لهذا الغرض؟ وربما لحفظ القطع الأثرية خارج أفغانستان أيضاً؟

(وإذا فرضنا تحقق ذلك، فحتى متى؟)

وتتبادر إلى الذهن الكثير من الأسئلة، بما في ذلك المعضلة الأخلاقية المتمثلة في تفضيل سلامة الموروث الثقافي على سلامة البشر. ومع ذلك، فمن المؤكد أن ضمان سلامة الموروث الثقافي شيء يستحق العناء وبذل الكثير من الجهد، لكن السؤال هل ستشارك حركة طالبان في ذلك المجهود؟

ريم غزال هي رئيسة تحرير مجلة ثقافية وفنية ، ومراسلة حربية سابقة.