الحرب السورية تطمس الحقيقة

نيل هاور

AFP Photo: David McNew

يقولون في الحروب أنالحقيقة أولى الضحايا، ويشكل هذا القول أهمية خاصة للمراقبين في سوريا. وفي الأيام الأولى للنزاع قبل أكثر من ثماني سنوات، كانت الحرب السورية الناتجة عن الحركة الاحتجاجية، تهيأ الأجواء لواحدة من أقسى حالات تزييف الحقائق والتلاعب بالسرد بشكل لم يسبق له مثيل. ومع كل تطور جديد في الحرب، تظهر أمثلة وفيرة ومؤقتة داعمة لنظرية المؤامرة.

وخلال الأشهر القليلة الماضية، بلغ هذا التفسير آفاق جديدة. وبسبب جولة إرشادية إلى دمشق وعدة مدن أخرى نظمها نظام الأسد في أوائل سبتمبر/أيلول لسِت صحفيين غربيين، خرجت مجموعة من المقالات ومقاطع الفيديو التي تلفت الانتباه إلىالازدهاروالاستقرارفي ظل حكم الديكتاتور السوري الذي أعاد سيطرته على البلاد مرة أخرى، وتدين في الوقت ذاته الحرب القذرةوالإرهاب الاقتصاديالذي تقوده أمريكا.

وشهد تقرير جديد حول أنظمة تسليم الأسلحة الكيماوية إلى سوريا، ونشرهبيلنج كات، وهو موقع للتحقيقات الاستقصائية، والذي اكتشف دليلا وثائقيا لا جدال فيه بأن الحكومة السورية وراء الهجوم الهائل على غاز السارين في عام 2013، سيلاً من الرفض عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأماكن أخرى. وفي الآونة الأخيرة، أعلن وزير الخارجية الأمريكيمايك بومبيوأن واشنطن توثقت من استخدام حكومة الأسد للأسلحة الكيماوية مرة أخرى في شهر مايو/أيار، وهو ما سيثير بالتأكيد المزيد من الاستهجان والسخط.

وكان الرد على تقريربيلنج كاتمتوقعًا، حيث نشر المدافعون المعروفون عن الأسد، بالإضافة إلى جحافل من المعلقين المجهولين، عبر توتير سيلاً من التغريدات التي تنفي التهم، وتكيل الاتهامات المضادة: وقالوا، إن من اختلق تلك الأدلة هو تنظيم القاعدة (وهو مصطلح فضفاض يستخدم للإشارة إلى أي جماعة معارضة في سوريا) وغيرها، بما في ذلك الدفاع المدني السوري [أصحاب الخوذ البيضاء]، وأول المستجيبون من المتطوعين المدنيين ممن يصفهم منتقدوهم منذ فترة طويلة بأنهم عملاء سريون يعملون لصالح وكالة المخابرات المركزية الأمريكيةسي آي إيه” / تنظيم القاعدة/ ومسؤولون عن الدعاية لتغيير نظام الحكم في دول الخليج. وتتضمن الحيل الجديدة هذه المرة ادعاءات بأن التعرف على القنبلة المحملة بالمواد الكيميائية أثبت أن المتمردين هم من سرقوا تلك القنابل. ومع ذلك، لم يسأل أحد كيف سلم المتمردون هذه الذخيرة الجوية رغم أنهم لا يمتلكون طائرة.

ويتوافق هذا الهجوم المضلل بشكل مقبول مع مهمة الدعاية الإعلامية سالفة الذكر والتي تنفذها دمشق عن طريق العديد من المراسلين المؤيدين للنظام، ومنهم أولئك المنتسبون إلى الشبكة الإخبارية الروسية، آر تي [روسيا اليوم]. وقد امتدح بعض هؤلاء المراسلون مرارًا وتكرارًادفاع بشار الأسد عن سورياضدالمحافظين الأمريكيين المتعطشين للدماءوالعملاء الساعين لتغيير النظام بدعم من الخارج، (والمقصود بهؤلاء العملاء، ملايين السوريين الذين خاطروا بكل شيء للوقوف في وجه الديكتاتوري).

كان شهر أكتوبر/تشرين الأول على وجه الخصوص غزيرًا بالمعلومات الخاطئة. لقد أدى الهجوم التركي والذي طال انتظاره على شمال سوريا إلى نشر كلا الطرفين للأكاذيب التي تناسب الرواية التي اختاروها. وبالغت قوات سوريا الديمقراطية والتي يقودها الأكراد في سرد الروايات حول عودة داعش بسبب هذا الهجوم، وقدمت ادعاءات مثل الهجوم الواسع الذي شنه تنظيم الدولة الإسلاميةداعشعلى الرقةواتضح لاحقًا أن منفذه انتحاري واحد. وبالمثل، زعمت تركيا أنها لم ترتكب أي انتهاكات لحقوق الإنسان أو التهجير القسري، رغم أن منظمات مثل منظمة العفو الدولية وصفت تفصيلاً القصف العشوائي للمناطق المدنية، وعمليات الإعدام دون محاكمة والتي نفذها مسلحون مدعومون من تركيا. ومن الواضح أن تلك التطورات لن تنحصر الا بعدة فترة طويلة.

ومن بدايته، اتسم النزاع السوري بهذا النوع من الدعاية. وخلال الأشهر الأولى من الحرب، أكدت وسائل الإعلام الحكومية السورية بانتظام على أن الاحتجاجات التي تهز البلاد كانت في الواقع فيديوهات للعاملين في استوديوهات قطر. وفي وقت لاحق، ومع بدء القمع الوحشي، وصف الإعلام السوري المتظاهرين السلميين بالمتطرفين الذين يهاجمون القوات السورية.

ولكن تشويه الحقائق عن عمد لا يقتصر على النظام السوري وحلفائه. فالمعارضون المفترضون للأسد في البيت الأبيض ليسوا أقل ذنبًا. فحتى الرئيس الأمريكي السابقباراك أوبامالم يتوانى عن تزييف الحقائق لشرح سبب عدم تدخله لوقف المذبحة. وادعت إدارةأوبامادومًا أن الدفاعات الجوية السورية كانت بالغة القوة بما يكفي لتهديد الغارات الجوية (لكنها لم تكن كذلك). وعندما انتهك بشار الأسدالخط الأحمرالذي حدده أوباما باستخدامه للأسلحة الكيميائية، ادعى الرئيس الأمريكي أنه يحتاج إلى موافقة الكونجرس للرد بضربات جوية (ولم يرد).

ولعل الأمر الأكثر فظاعة هو أن إدارةأوبامامارست التضليل بادعائها أن عدم تدخل الولايات المتحدة كان عملاً محايدًا، ولن يترتب عليه أي عواقب بالنسبة لسوريا بشكل أو بآخر، وكان مجرد فعلاً محايدًا: وفتح التردد الأمريكي الباب أمام التدخلات الإقليمية من جانب إيران روسيا، وغيرها من الذين اكتفوا بتفاقم المذبحة.

واضطرأوباماإلى الكذب بسبب رغبته المفهومة في منع بلاده من المشاركة في صراع آخر عسير في الشرق الأوسط. لكنه لم يكن صادقًا. ولم تكن تلك الكذبة ضارة في جوهرها كغيرها من الأكاذيب، لكنها ربما أدت إلى أضرار أكثر من أي أكاذيب نشرها مؤيدو نظام الأسد.

وهناك زخم وراء هذا التزييف الواضح للحقائق، ولكن كيف يبرر الآخرون كذبهم دفاعًا عن أحد أكثر الأنظمة وحشية في العالم؟. ويرجع بعض أسباب هذا الدفاع إلى الدعم المالي. بينما الإيديولوجيا هي عامل آخر. وهناك من يؤمن حقيقية بأن الولايات المتحدة هي أصل كل الشرور في العالم، وأن الأسد وروسيا وإيران دول خيرة، وأن شيطنتهم لا أساس لها.

وأخيرًا، فهناك العامل النفسي. غير أن الناس يميلون ببساطة إلى تصديق نظريات المؤامرة لأنها تمنحهم الشعور بالذكاء، كما لو أنهم فقط تمكنوا من تسوية ما يجري بالفعل. وفي كل مرة يقدم فيه موقعبيلنج كاتتقريرًا له، نجد أن غرف التواصل الاجتماعي تعج بالكثير، وكلها تؤكد نظريات المؤامرة، بغض النظر عن مدى كونها غريبة.

فما الذي يمكن فعله؟ ربما القليل جدا. ولن يؤدي مناقشة الخطاب التآمري الذي تنبأ به هؤلاء سيئوا النوايا، إلا إلى إضفاء المزيد من المصداقية إلى هذا الخطاب من خلال إقراره ضمنيا. إن افتراء الكذب بات أكثر سهولة من دحض كذبة ما، ومن ثم تدارك الضرر الناتج عنها.

والرد الأكثر أهمية هو أن يقر هؤلاء، ممن لديهم القدرة على صياغة السياسة واتخاذ القرارات اللازمة، بالأكاذيب، ويتجنبون استخدامها، أو خلق المزيد من الأكاذيب لأنها تناسب الموقف، أو تمجد ذاتهم على المستوى الأخلاقي. إن المطلوب من الفئة الباقية هو مواجهة تلك الأكاذيب والتعامل معها، وأن يبقى تفكيرنا النقدي على أهبة الاستعداد.

نيل هاور، محلل أمني، ويقيم في مدينةتبليسي، عاصمة جورجيا. تتناول جُل أعمالنيلالصراع السوري، ولاسيما الدور الروسي، والسياسات والأقليات في جنوب القوقاز، والعنف والسياسات في شمال القوقاز، ولاسيما في دولتي الشيشان وإنجوشيا.