نشأة حروب جديدة في سوريا

حايد حايد

كان الاعتقاد بأن الصراع السوري “يضع أوزاره” قد ساد إلى درجة أن أكثر المحللين تعقلاً صعب عليهم دحض هذا الطرح. لكن أسبوعاً واحداً كان كافياً لقلب الموازين، إذ بلغت الحرب سقفاً جديداً. فخلال بضعة أيام فقط، أسقط الثوار السوريون طائرة حربية روسية، كما أسقط مقاتلون أكراد مروحية تركية، فيما هاجمت جماعات موالية للنظام قوات تدعمها الولايات المتحدة. بالمقابل، قتلت الولايات المتحدة العشرات من المقاتلين الموالين للأسد وما يزيد عن عشرة مواطنين روس، وأسقط الجيش السوري طائرة “إف-16” إسرائيلية، في حين أسقطت إسرائيل بدورها طائرة إيرانية بدون طيار وشنت أكبر غاراتها الجوية على سوريا منذ عقود. كل هذا حدث بالموازاة مع هجمات مكثفة لقوات النظام على جيوب المعارضة في الغوطة وإدلب، ما أسفر عن مقتل ما يقدر بألف مدني في أسبوع واحد. الحرب في سوريا إذن لم تضع أوزارها بعد، بل إن الأسبوع الماضي قد أظهر أنها لم تصر سوى أكثر تعقيداً.

إن العلَّة في التوقعات المبالِغة في التفاؤل تكمن في تركيز أصحابها على الديناميات السورية الداخلية لا غير، متجاهلين الصراعات الثانوية التي تطفو على السطح بين القوى الإقليمية والدولية حول أنقاض البلاد. أي أن القوى الخارجية هي التي باتت اليوم تحدد معالم الحرب السورية وفق أولوياتها الخاصة.

وقد بدأ كل ذلك مع تغير طبيعة العلاقة بين الجماعات المحلية – الموالية للحكومة منها والثورية – ورعاتها الخارجيين، على نحو مكَّن الأخيرين من تولي زمام الأمور في هذا الصراع. وأبرز دليل على ذلك قد اتضح حين تم الضغط على الجماعات المحلية لكي تعيد ترتيب أولوياتها والانضمام إلى السباق بين الولايات المتحدة وروسيا من أجل استرجاع الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم “داعش” شمال شرق سوريا. بالمقابل، فإن غياب إرادة حقيقية لدعم الثوار من جانب رعاتهم، نظراً لتغير مصالح العواصم الأجنبية، قد جعل بقاء نظام بشار الأسد واقعاً لا مفر منه. هذا الأمر أدى إلى تحويل الثورة المسلحة الرامية إلى إحداث انتقال سياسي إلى قتال من أجل البقاء بالنسبة للثوار. ووفق هذا المنظور، لم تعد الحرب تدور حول تأمين مستقبل سوريا، بل أصبحت تتمحور حول ترسيخ النظام القديم والتنافس الشرس بين القوى العظمى في السهول والجبال السورية.

والحال أن نهاية الحملة العسكرية ضد تنظيم “داعش” كانت العامل النهائي والحاسم المؤدي إلى هذه الأوضاع المتغيرة. فبالرغم من أن التنظيم لا يزال يسيطر على بعض المناطق ولا تزال لديه القدرة على شن هجمات غير تماثلية في أرجاء مختلفة من البلاد، فإنه قد خسر معظم الأراضي التي كانت خاضعة له، الأمر الذي دفع العديد من القوى الأجنبية الناشطة في سوريا إلى الإعراب عن سعادتها بإعلان هزيمة التنظيم الإرهابي واعتماد سياسات جديدة وفقاً لذلك. ونتيجة لهذا، أفضت نهاية الحرب ضد تنظيم “داعش” إلى صراعات ثانوية بين القوى الأجنبية الساعية إلى تعزيز أو توسيع مناطق نفوذها.

فبالنسبة للولايات المتحدة، يتعلق الأمر بالحفاظ على حضورها في شمال شرق سوريا من أجل استتباب الاستقرار في المناطق المسترجعة، وتعزيز نفوذها للدفع باتجاه الانتقال السياسي، واحتواء النفوذ الإيراني. عكس ذلك فإن الهجمات التي شنتها قوات موالية للنظام على جنود أمريكيين بمحاذاة نهر الفرات تهدف من جهتها إلى الحد من نفوذ الولايات المتحدة وتجريدها من الموارد التي بحوزتها. ورغم أن تشكيلة القوات التي شنت هذه الهجمات لا تزال غير معروفة، فإن الاعتقاد السائد يشير إلى التورط المباشر لكل من روسيا وإيران. صحيح أن هذه الواقعة لم يكن أبطالها من الفاعلين الأجانب، إلا أن دعم وتشجيع الجهات الأجنبية هو ما مكن من حدوثها، حيث تسلط هذه الهجمات الضوء على التدافع القائم بين مختلف المصالح الخارجية على الأراضي السورية، وهو أمر لا يقل أهمية.

وبعيداً عن الشمال الشرقي، باتت البلاد حالياً مقسمة إلى مناطق نفوذ بين القوى الخارجية الرئيسية، حيث إن بعض هذه القوى لديها وجود عسكري فعلي في هذه المناطق (خصوصاً الولايات المتحدة وتركيا وروسيا وإيران)، بينما ترزح مناطق أخرى تحت نفوذ رمزي (إسرائيل على وجه الخصوص). أمَّا المحاولات الرامية لتغيير الوضع القائم في الخطوط الأمامية بهذه المناطق فلا يمكن أن تنال مبتغاها إلا بالتراضي أو باللجوء إلى القوة. على سبيل المثال، فإن العملية المتواصلة التي تشنها تركيا على القوات الكردية في عفرين تجري بمباركة من روسيا، حيث سحبت هذه الأخيرة قواتها ورفعت فرضها لمنطقة حظر جوي. وتُعد رغبة أنقرة في إزالة ما تراه تهديداً من طرف “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني” على مدى الحدود السورية-التركية هي المحرك الوحيد وراء هذه المعركة. وعلى نحو واسع، يُعتبر المتمردون الذين يشاركون في عملية عفرين وكلاء يعملون لحساب المصالح التركية.

وعلى جبهة أخرى، لننظر إلى المناوشات التي تُعد إسرائيل طرفاً فيها. فقد تصاعدت المواجهات بين إسرائيل والقوات المدعومة من طرف إيران، وذلك بسبب سعي طهران المتواصل لتوسيع نطاق تأثيرها بالقوة في الجنوب السوري على مدى خطوط فض الاشتباك الإسرائيلية-السورية. للإشارة فإن إسرائيل ليس لديها تمركز عسكري داخل سوريا، ولكنها دلَّت بشكل واضح على أن خطوطها الأمامية هي مناطق محظورة على الميليشيات الموالية لإيران. وقد اندلعت المواجهات بعدما اخترقت طائرة بدون طيار تابعة لإيران المجال الجوي الإسرائيلي، فردَّت إسرائيل على ذلك بمهاجمة القاعدة التي انطلقت منها الطائرة. ورداً على ذلك، قام النظام السوري بإسقاط مقاتلة إسرائيلية من نوع “إف-16″، الشيء الذي أثار وابلاً من الغارات الجوية الإسرائيلية هي الأكبر من نوعها على سوريا منذ عقود. ومن المستبعد أن تكون إسرائيل، التي نعمت لعقود من الزمن بخط أمامي هادئ نسبياً مع سوريا، راغبةً في إثارة المشاكل لنفسها، ما يشير إلى أن إيران قد تكون وراء المواجهات الحديثة.

ولطالما كانت الحرب السورية نزاعاً بالوكالة مدفوعاً بديناميات سورية داخلية، إلا أن تطورات حديثة تُظهر أن هذه الحرب قد تحولت إلى مواجهة مباشرة أكثر فأكثر بين قوى خارجية تطمح إلى استحداث نظام جديد في سوريا. ومن المستبعد أن تثير هذه النزاعات المدفوعة من الخارج مواجهات مباشرة شاملة بين القوى الأجنبية، إلا أن التدخل المباشر لهذه الجهات، والذي يتزايد عمقه مع مرور الوقت، مصحوباً بمحاولاتها للتغلب على بعضها البعض من أجل كسب المزيد من النفوذ، يعني أن المواجهات ستستمر. وباختصار فإن القوى الخارجية التي أُسندت إليها في وقت مضى مسؤولية وضع حد للنزاع السوري قد أصبحت الآن هي من يؤجِّجه.

AFP PHOTO / Amer ALMOHIBANY