اللجنة الدستورية السورية في انعقاد للمرة الثانية، ويبدو أن النظام مستعدًا للتفاوض هذه المرة

فيصل اليافعي

AFP Photo: Martial Trezzini

في يوم الاثنين، وللمرة الثانية خلال أسبوع، انتقل أعضاء اللجنة الدستورية السورية البالغ عددهم “150” عضوًا إلى مقر الأمم المتحدة في جنيف لبدء اجتماعاتهم. وكانت التوقعات جيدة: فلأول مرة منذ بدء الانتفاضة، تتقابل الأطراف المتنافسة وجهًا لوجه لمناقشة الإصلاح الدستوري. والتاريخ لم يكن واعدًا: حيث شهدت قاعة الأمم المتحدة أيضًا اجتماعات جنيف المحتوم عليها بالفشل، واستمرت المحادثات لسنوات دون نتيجة، مع استمرار الحرب الأهلية. وفي ظل عدم وجود جدول زمني، أو تحديد وقت نهائي للمحادثات، هناك فرصة أن تستمر الخلافات بين أعضاء هذه اللجنة الدستورية إلى ما لا نهاية.

ومع ذلك، شهدت الخطابات الافتتاحية الأسبوع الماضي بصيصًا من الأمل. وقدم رئيس وفد الحكومة السورية، أحمد الكزبري، اقتراحًا مفاجئًا، إذ قال بأنه مستعدٌ للنظر في إدخال تعديلات على الدستور، “أو حتى إعداد دستور جديد يكون من شانه تحسين واقع الشعب السوري”.

وكانت اللجنة التي عينها بشار هي من أدخل آخر تعديل على الدستور السوري في عام 2012، أثناء الانتفاضة ضد بشار الأسد. ومنذ ذلك الحين، ومع تصاعد الانتفاضة إلى حرب أهلية، أبقى النظام السوري على الدستور دون تعديل، وبالتأكيد ليس بمساعدة قوى خارجية. ومؤخرًا في شهر شباط/فبراير من هذا العام، أخبر الأسد البرلمان السوري أنه لن “يتفاوض” بشأن دستور البلاد. وقال إن القيام بذلك “قد يكلفه ثمنًا أكبر من الحرب نفسها”.

إذًا، ما الشيء الذي كان سيقنع النظام ليتخلى فجأة عن ورقة المفاوضة؟

الجواب هو أنه، بعد سنوات من معارضته للجنة الدستورية، يبدو أن النظام قد أدرك عدم جدوى اللجنة الدستورية كلجنة للتفاوض بعد انتهاء الصراع. واليوم، باتت اللجنة الدستورية الخيار الأمثل للنظام السوري للتفاوض بشأن التسوية مع المعارضة بعد انتهاء الصراع، ولكن بدون اتفاق ظاهر على إجراء محادثات مع من يصفهم النظام بالإرهابيين – وبدون الاضطرار حتى إلى الجلوس معهم في نفس الغرفة.

لقد أيد الأسد نفسه المناقشات، وإن كانت بدون مزايا تفضيلية، إذ أخبر التلفزيون الحكومي الأسبوع الماضي أنه على الرغم من أن حكومته ليست طرفًا في المفاوضات، فإن الوفد “يمثل وجهة نظر الحكومة”. إذا كانت العملية التي تقودها جنيف منحازة للغرب، فإن عملية أستانا، وهذه اللجنة التي انبثقت عنها، تنحاز للنظام. ومن الأهمية بمكان القول بأن جميع الدول التي تدعم عملية أستانا لها مصلحة في بقاء النظام الحالي. وعلى الرغم من أن الاجتماعات تنعقد على أرض أوروبية، إلا أن اللجنة ما زالت بدون جدوى بسبب شرط تمرير أي اتفاق بالتوافق أو بأغلبية 75% من الأصوات، وبهذا تكون خسارة النظام بأغلبية الأصوات، وهو من اختار ثلث المندوبين، من شبه المستحيلات.

وهذا يعني أيضًا أنه لا يوجد أمام النظام أفضل من هذه الطريقة التي تدعمها الأمم المتحدة ليعود إلى حظيرة المجتمع الدولي.ولكن القيام بذلك يتطلب دستورًا جديدًا، أو شيئًا جديدًا يمكن تقبله. وقد يُسمى المسار الأكثر وضوحًا للعودة إلى ما يمكن أن يعرفه النظام على أنه الوضع الراهن هو “الأرض والدستور” مقابل السلام”. إنها صيغة تعطي كل المشاركين في الحرب الأهلية تقريبًا ما يريدون. – لكنها صيغة غير مرضية لكل من قاتل من أجل الحرية.

قد يقبل النظام بإعادة صاغية جزء بسيط من الدستور أي الإبقاء على معظم وثيقة 2012 دون تغيير. وفي الواقع، اقترحت المعارضة بالفعل أن هذا هو الحد الأقصى لطموحهم. وفي الأسبوع الماضي، قال يحيى العريضي، المتحدث باسم وفد المعارضة، إنه يمكن إنقاذ “70 في المائة” من الدستور الحالي.إن دستورًا تدعمه الأمم المتحدة ويمهد الطريق لإجراء انتخابات جديدة من شأنه أن يرضي المجتمع الدولي، أو على الأقل الأطراف التي يمكن إرضاؤه. ويمكن لروسيا أن تستخدم الدستور للقول بأن القوات الأجنبية – باستثناء قواتها، بطبيعة الحال – يجب أن تغادر.

وعلى أرض الواقع، وفي ظل تحطم طموحات الأكراد السوريين بعد الانسحاب الأمريكي والهجوم التركي، سيستعيد النظام السوري إدلب، لكنه ربما يمنح تركيا قطعة أرض في الشمال الشرقي. وقد تكون تلك الأرض بعد ذلك مستقرًا لجميع اللاجئين الذين يرفضون التوصل إلى سلام مع النظام، مما ينهي قضية الهجرة لتركيا، وزيادة مساحة المنطقة الحدودية لإبعاد الأكراد.

وهكذا، فإن الخطوط الحمراء الثلاثة التي حددها النظام مرارًا وتكرارًا، والتي كررها “الكزبري” في جنيف الأسبوع الماضي، وهي – وحدة الأراضي السورية، ورحيل القوات الأجنبية، وعدم التدخل الخارجي في سياساتها – ستكون مرضية بشكل كبير. وسيسطر النظام مرة أخرى على الأجزاء الرئيسية في سوريا، من حلب إلى دمشق، ويمكن أن يدعي النظام بأنه تمكن من المحافظة على وحدة أراضي البلاد ووضع حد للتدخل الأجنبي. إن من رغب عن هذا الوضع هو من اختار البقاء في المنفى، وعائلات الذين فقدوا أرواحهم بسبب النزاع، أو ذهبوا في طي النسيان داخل زنزانات النظام. سيحظى الدستور الجديد والاتفاق الجديد بموافقة المعارضة والأمم المتحدة والحكومة الروسية. ولن يعارضه سوى الموتى، أو من هم في المنفى ويسعون للبقاء في مدن بعيدة عن الوطن، ولهذا فإن الدستور الجديد لا يعنيهم في شيء.

 

 

يؤلف “فيصل اليافعي” حاليًا كتابا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم لدى الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. وقد عمل “فيصل” لدى وكالات أنباء مثل “الجارديان” و”بي بي سي”، وأعد تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.