سوريا بقيادة الأسد تخسر معركتها لتأمين أمنها الغذائي

حايد حايد

AFP Photo: Omar Haj Kadour

انصب الاهتمام بالشأن السوري، لفترة طويلة ولأسباب مفهومة، على الحرب الأهلية. وهناك صراع آخر دائر ولا تلاحظه الدولة، وربما يحمل نفس القدر من الخطورة: إنها معركة الخبز.

وتوفر الدولة “60%” من القمح من الجزء الشمال الشرقي للبلاد. والمشكلة التي تواجه بشار الأسد ونظامه هي أن المنطقة الشمالية الشرقية – وهي سلة خبز البلاد – غير خاضعة لهما، وتخضع لإدارة ذاتية يقودها الأكراد. وبسبب الصعوبات التي يواجهها النظام السوري لتوفير القمح، باتت قضية الأمن الغذائي أكثر خطورة.

وتوقفت الأنشطة التجارية داخل مناطق إدلب وخارجها بعدما شن النظام هجومه العسكري في الصيف الماضي، ولم تعود تلك الأنشطة مرة أخرى رغم تطبيق وقف إطلاق النار. وتمنع ما يسمى بحكومة الإنقاذ، التابعة لقوات هيئة تحرير الشام المسيطرة على إدلب، بيع القمح للنظام. كما حددت الهيئة أسعار القمح عند 440 ليرة سورية (حوالى 85 سنتًا أمريكيًا) للكيلو – وهو سعر جيد نسبيًا للمزارعين المحليين، وبالتالي ضمان بقاء كامل المحصول داخل البلاد.

وتستورد سوريا من الخارج أكثر من “30%” من احتياجاتها من القمح، والنسبة الأكبر من روسيا. وبسبب فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، أوقفت روسيا أنشطة التصدير في الوقت الراهن. وتسمح العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا باستيراد الحبوب. ومع ذلك، لا يملك النظام عملة أجنبية كافية لشراء القمح من الخارج. ويزداد الأمر صعوبة بسبب ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين. وعلاوة على ذلك، ترفض العديد من الدول إقراض سوريا. ولذلك، فشل النظام السوري في إبرام الصفقات الغذائية هذا العام.

واضطر النظام للتفاوض على صفقات عبر خطوط العدو من خلال وسطاء، والتخلي عن احتكاره لتجارة القمح، مما سمح للتجار من القطاع الخاص باستيراد القمح من المكان الذي يحددونه أو عبر دولة ثالثة، وتكون عادة لبنان. والتكلفة غالية في كلتا الحالتين. وما زاد الأمر تعقيدًا هو عدم قدرة التجار السوريين من القطاع الخاص على الوصول إلى حساباتهم بالعملات الأجنبية في البنوك اللبنانية – بسبب القيود المفروضة على عمليات السحب بعد الأزمة المالية.

ومن ثم، لن يبقى أمام النظام لتوفير القمح سوى منطقة الحكم الذاتي التي يقودها الأكراد في الشمال الشرقي، والمعروفة أيضًا باسم “مناطق ذاتية الإدارة” (وتختلف عن الأراضي “التي يسيطر عليها المتمردون”). ومن خلال التحكم في السوق المحلية، فإن المنطقة ذاتية الإدارة قادرة على مساومة النظام.

وخلال فترة الحرب، استمرت المناطق الخاضعة لسيطرة النظام وغير الخاضعة له في تجارة القمح والنفط. واستحوذ النظام كالعادة على حوالي “35%” من إمدادات القمح السنوية من الشمال الشرقي، بل إنه قدم أسعارًا تنافسية لتشجيع المزارعين على البيع له بدلاً من خصومه. وفي آذار/مارس، حدد النظام سعر شراء القمح بـ 200 ليرة سورية للكيلو، بالإضافة إلى مكافأة قدرها 25 ليرة للكيلو الواحد حتى آيار/ مايو- بزيادة أكثر من “20%” عن العام السابق.

ومن هنا بدأت لعبة المزايدة. أولاً، طابقت المنطقة ذاتية الإدارة أسعارها بأسعار النظام، ومع اقتراب وقت الحصاد، رفعت سعر القمح إلى 315 ليرة سورية – وذلك، كما يُفترض، بطلب من المزارعين بسبب انخفاض قيمة العملة. واستجاب النظام لمطلبهم وضاعف السعر، من أجل، بحسب الظاهر، “دعم القطاع الزراعي”. ثم حظرت الإدارة المستقلة بيع الحبوب إلى مناطق أخرى في سوريا، ورفعت السعر أكثر إلى حوالي 430 ليرة.

وعلى الرغم من أن الوسطاء المحليين تمكنوا من تأمين بعض الحبوب للنظام من الشمال الشرقي، إلا أنها ليست كافية لتلبية الاحتياجات. وبسبب عدم قدرة النظام السوري بقيادة الأسد على شراء الحبوب المحلية أو المستوردة، باتت سوريا الأسد تعاني من نقص في الخبز.

وقد يكون الأسوأ في المستقبل. وحذر برنامج الغذاء العالمي من أن المجاعة تشكل تهديدًا حقيقيًا مع استمرار الاقتصاد في دوامة الهبوط. وتقدر هيئة الأمم المتحدة أن حوالي 9.3 مليون شخص في سوريا يعانون حاليًا من انعدام الأمن الغذائي، وما يزيد عن مليوني شخص في عرضة لخطر أشد- بزيادة قدرها “42%” منذ العام الماضي.

لقد عانى الشعب السوري من حرب أهلية ومصاعب اقتصادية لما يقرب من عقد من الزمان. ولكن ما لم يتطرق بشار الأسد إلى كيفية تأمين الطعام لشعبه، فإن أكبر تهديد له ونظامه الآن قد لا يكون من قصف قذائف الهاون البعيدة، ولكن من الحشود الغاضبة من السوريين الجائعين الذين يخرجون إلى الشوارع تحت مرأى ومسمع منه.

 

حايد حايد، زميل باحث في المركز الدولي لدراسة التطرف بجامعة كينجز كولدج بلندن، وهو أيضاً زميل باحث استشاري في برنامج معهد تشاتام هاوس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.