سوريا تريد استكمال سيطرتها على المعلومات، وهذا هو السبب وراء إمكانية اعتقال أكثر الصحفيين ولاء كونهم “يخالفون الأوامر”

حايد حايد

AFP photo: Louai Beshara

ربيع كلاوندي هو مراسل حرب وناشط على وسائل التواصل الاجتماعي كان قد أعتقل في 8 يوليو في مدينة حلب. للأسف، ربما لم ينتبه له أحد في بلد يستهدف نظامها الصحفيين بشكل ممنهج طوال فترة النزاع. غير أن ما هو غير معتاد بشأن هذا الأمر أن كلاوندي نفسه هو صحفي موال للنظام السوري واعتقله النظام نفسه.

هذا ولم يكن كلاوندي الصحفي الوحيد الذي يسقط من عباءة حكومة الأسد. فكونك مواليا لم يعد كافيا ليبعد عنك الاضطهاد أو حتى الاعتقال. وحتى يتثنى لكل منا فهم السبب علينا أن نقيم كيفية استخدام النظام للصحافة.

منذ أن تولي حزب البعث السلطة في عام 1963 شغلت الصحف وقنوات التلفاز والمحطات الإذاعية الرسمية التي تتحكم بها وزارة الإعلام المساحة الأكبر من الصحافة السورية ، وتلك الوسائل مراقبة عن كثب من قبل المخابرات السورية ، غير أنه وبعد بداية التصعيد في مارس 2011 عندما قام عدد من المواطنين الصحفيين بنشر تقارير عن الاعتراضات اليومية المضادة لنظام الأسد ، أجبر النظام علي إعادة التفكير تجاه إستراتيجيته المعتمدة ، فقد صارت المنصات الإعلامية الرسمية غير مرغوب بها وغير مؤثرة في الشارع ،حتي ممن هم موالين للنظام ، ولم تعد بعد قادرة علي السيطرة أو الرد علي المعترضين أو النشاطات الإعلامية الداعمة لهم . ولذلك لم يكن امام النظام إلا أن ينتهج الطريقة ذاتها، فلم يجد الا ان يقوم بتجنيد صحفيين من المواطنين يعملون لحسابة حتي يخلق من خلالهم منصات إعلامية بديلة تنشر وجهة نظره الخاصة وكيفية رؤيته للأمور .

مع ذلك فإن استمرار انحدار مستوي المعيشة حتي مع انتهاء الصراع قد حدا بالعديد من الصحفيين الموثوقين والمؤثرين في الإعلام إلي تغيير وجهة اهتمامهم تجاه مشاكل أخري كالأحوال المدنية المروعة في المدن الكبيرة والصغيرة وكذلك الفساد المستشري، وتلك المواضيع لا يود النظام نشرها. وفي خلال العام المنصرم تصاعد عدد الصحفيين الموالين للنظام الذين قبض عليهم أو تعرضوا لمضايقات من قبل المخابرات السورية. وقد تعددت الأسباب غير أنه يمكن اختزالها جميعا في التهمة الغريبة وهي كون الشخص” يخالف الأوامر”.

غير أن أبرز القضايا بهذا الشأن كانت قضية وسام الطير المحرر بجريدة دمشق الآن والذي لدية صفحة علي فيس بوك يزيد متابعوها علي 2.7 مليون شخص، وتعد تلك الصفحة واحده من اهم الصفحات الموالية للحكومة، وقد اعتقل وسام في منتصف ديسمبر الماضي الا ان السبب في ذلك مازال غير واضح حتي الآن إلا أن الاحتمال الغالب أن ذلك يعزو إلي منشوراته بخصوص الظروف القاسية التي يتحملها المجندون بالجيش وكذلك عن أزمة الوقود في البلاد. ولا يزال مكان وسام الطير غير معلوما إلي الآن.

كذلك محمد حرشو المحرر بموقع هاشتاغ سوريا الإلكتروني والذي تم التحفظ عليه في أبريل لنشره مقالا بخصوص خطط الحكومة لزيادة أسعار الجازولين. وكذلك رائف سلامة الصحفي بالوحدة الإعلامية لحزب البعث، وكان قد أعتقل في الفترة الزمنية ذاتها متهما بإنشاء صفحة علي فيس بوك تنتقد وزارة الصحة.

وبالنسبة لآخرين كان التخويف كافيا لردعهم، ومن بين هؤلاء علي حسون رئيس تحرير جريدة الأيام الأسبوعية والذي أعلن استقالته في مايو الماضي وذلك بعد بضعة أيام من غلق الصحيفة بالقوة الجبرية وفي مقاله الأخير والذي عنونه ب “إستراحة المحارب ” كان قد نشر الضغط المتزايد الذي يمارس علي الصحفيين فيما أطلق عليه ” الفترة الأقسى في تاريخ الصحافة السورية وذلك نظرا للقيود المتزايدة التي تفرض علي حرية الصحافة ” .

ويبدو أن المعيار المعتمد عليه في انتقاء الصحفيين الموالين للنظام وتعريضهم للمضايقات أو الاعتقالات هو تخطيهم للخطوط الحمراء التي رسمها النظام وكذلك امتلاك جمهور عريض من القراء أو المتابعين. والسؤال هنا، ماهي الخطة التي يهدف لها النظام في إستراتيجيته الجديدة التي يتعامل بها مع الصحافة؟

أولا، هي تعد تذكرة للصحفيين والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي وبخاصة ذوي التأثير الكبير منهم وأصحاب الشعبية الواسعة بأن سياسة النظام في التسامح مع النقد لم تتغير. وثانيا، أن النظام يسعي للسيطرة على ما يدور على ساحات التواصل الاجتماعي من خلال الدخول على أكثر الحسابات تأثيرا حتى إن استدعي الأمر استخدام القوة. فالصفحات الرسمية لكل من ربيع كلاوندي دمشق الآن مستمرة في العمل حتى بعد أن تم اعتقال أصحابها ومع ذلك لم تشر تلك المواقع التي أعيد تفعيلها إلي مصائرهم أو إلي هوية من يديرونها (والذين هم علي الأرجح احدي وكالات المخابرات). كذلك فإن هنالك حسابات أخري على مواقع التواصل الاجتماعي تم غلقها تماما وأجبر من يديرونها على تركها أو تم إخفائهم.

وأخيرا فقد اعتزم النظام إعادة الهيمنة على تدفق المعلومات في البلاد أو على الأقل في المناطق التي يسيطر عليها. وكما كان الأمر قبل نشوب النزاع سوف يسعي لتحقيق ذلك من خلال القنوات الرسمية وكذلك من خلال منصات إعلامية شبه خاصة يمتلكها أشخاص يتبعون الحكومة بشكل مباشر أمثال أبناء عمومة بشار رامي مخلوف وماجد بهجت سليمان ومحمد صابر حمشو وأكثام دوبا، وقد تم تعزيز تلك السيطرة عبر قانون تم صدوره في مارس الماضي ينشئ محكمة خاصة تختص ب”جرائم الاتصال والمعلومات ” بالإضافة إلي أشياء أخري ، ويسمح القانون باعتقال الصحفيين الذين ينشرون معلومات تعد متعارضة مع مصالح النظام.

وحتى الآن يعتبر عدد الصحفيين الموالين للنظام والذين تم اعتقالهم صغير نسبيا. ومع ذلك لا يزال استهداف الشخصيات البارزة وتدخل الوكالات المخابراتية في عمليات القبض عليهم يعد كافيا لتأكيد أن رسالة النظام “بعودة الأمور لسابق عهدها” قد وصلت بصوت عال وواضح.

حايد الحايد هو زميل مساعد في المركز الدولي لدراسة التطرف بكلية الملك بلندن وهو أيضا زميل مساعد استشاري بدار شاثام ببرنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا .