الصين تبسط نفوذها في منطقة الشرق الأوسط دون إطلاق رصاصة واحدة والسبب إعادة إعمار سوريا

فيصل اليافعي

في منتصف يوليو/ حزيران، أرسل أحد المسؤولين العسكريين الروس البارزين، وهو فاليري جيراسيموف، خطابًا إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الرتبة الأعلى في الجيش الأمريكي، ليقدم له عرضًا، وكتب في هذا الخطاب،” النظام السوري يفتقر إلى المواد والمعدات والتمويل اللازم لإعادة بناء الدولة، وبدون إعادة بنائها فلن تتمكن الدولة من الموافقة على عودة اللاجئين”، واقترح الجانب الروسي تشكيل مجموعة عمل مشتركة مع الولايات المتحدة لتمويل إعادة بناء البنية التحتية وتسوية أوضاع اللاجئين، ووفقًا لإحدى المذكرات الأمريكية المسربة والتي حصلت عليها وكالة “رويترز” رفضت الولايات المتحدة هذا المقترح.
غير أن المذكرة تلقي الضوء على آخر ما تبقي من نفوذ سياسي للدول الغربية، وقدرتها على تقديم الأموال لإعادة إعمار سوريا أو حجبها، وفي ظل تراجُع نفوذ الدول الغربية خلال الحرب الأهلية، والمكاسب التي حققتها تركيا وإيران وروسيا على حساب الدول الغربية وحلفائها، أصبحت أموال إعادة الإعمار آخر ورقة يمكن المساومة عليها، مع العلم أنه كلما انتظرت الدول الغربية أكثر لاستغلال تلك الورقة قلّت أهميتها.
وقد ترددت الدول الغربية على وجه الخصوص لسنوات عدة بخصوص مسألة إعادة الإعمار، إذ كانت تأمل أن تتمكن الدول الأوروبية الغنية وحلفائها العرب من إقناع نظام الأسد بتسوية سياسية، وفي مرات عدة، كانت إعادة الإعمار عامل ترغيب وترهيب، فلقد كانت عامل ترغيب في العام 2016 وذلك عندما اقترح الأوربيون الانتقال السياسي، حتى وإن ظل بشار الأسد رئيساً، قد يصاحبها دعم مالي، ولكن بعد أن رفض النظام والمعارضة تلك الفكرة، تحولت إعادة الإعمار إلى عامل تهديد وهو إما القبول بانتقال سياسي حقيقي وإلا فلن يمول الغرب إعادة الإعمار.
وهناك دول أخرى تقلل من خطورة هذا التهديد رغم حقيقته، حيث تسعى كلٌ من روسيا وإيران بالفعل لإبرام عقود مربحة في سوريا، حتى أن الشركات اللبنانية ذات الخبرة، في إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية التي شهدها اللبنانيون تضع هي الأخرى أعينها على تلك العقود.
ومما لا شك فيه أنه لا يوجد من يفوق الغرب وحلفائهم من العرب في امتلاك الثروات، ورغم ذلك ربما هناك من ينافسهم، فها هي الصين قد عرضت المساعدة في إعادة إعمار سوريا وهي بذلك تمنح لنفسها قدمًا في قلب الشرق الأوسط وذلك دون أن تطلق رصاصة واحدة، ورغم أنه يتعين على روسيا خوض حربًا لبسط نفوذها، تستطيع الصين كسب النفوذ ببساطة من خلال تقديم القروض.
وفي العام الماضي، أقامت سوريا أول “معرض لإعادة الإعمار” خارج البلاد – وكان ذلك في ” “بيجين”، ونظم هذا المعرض النظام السوري و”جمعية التبادل الصيني العربي” وهي منظمة صينية غير ربحية، ونظمت الجمعية فعليًا عددًا من الرحلات للشركات والمقاولين الصينيين للسفر إلى سوريا، وفي تلك المناسبة أعلنت الصين أنها ستقوم باستثمار ” ملياري دولار أمريكي في إنشاء منطقة صناعية في سوريا، ولم تصدر أية تفاصيل بخصوص هذا الأمر، ماعدا خطاب النوايا ومفاده أن الصين عازمة عزمًا أكيدًا على الاستثمار في سوريا، وقال السفير السوري لدى بيجين أن النظام السوري سيمنح الصين وروسيا وإيران الأولوية في جميع مشروعات إعادة الإعمار في المستقبل.
وعلى مدار العقدين الماضيين؛ كان جزء من سياسية الصين الخارجية هو تقديم القروض إلى الدول التي لا يُقرضها إلا القليل من الدول، وهناك دول استفادت من سخاء الصين ومنها جيبوتي ومنغوليا ولاوس وجميع الدول الفقيرة التي لا تمتلك إلا عدد قليل من الخيارات، واستطاعت الصين باستثماراتها في الموانئ والطرق والسكك الحديدية داخل الدول المكافحة أن تربح نفوذَا كبيرًا وتأثيرًا سياسياً داخل عواصم تلك البلدان، فهاهي دولة سيرلانكا والتي لم تسدد مستحقات الشركات الصينية التي أنشأت ميناء جديد في إقليم “هامبانتوتا” جنوب البلاد، قد أجّرت الميناء للصين لمدة “100” عام.
ولم يغفل الغرب عن مثل تلك الأمور بل عمد إلى شجب النفوذ الصيني في إفريقيا وآسيا بعبارات نقد لاذعة، حتى أن “هيلاري كلينتون” قد أطلقت على هذا النفوذ ـ”الاستعمار الجديد”.
وعلى أي حال، تعتبر إعادة إعمار سوريا أمرًا ملائمًا للصين، لأن تكلفة إعادة الإعمار باهظة حيث قدّرت الشركات الاستشارية السورية تكلفة إعادة الإعمار بـ”200″ مليار دولار أمريكي، بينما قدّر المبعوث الخاص للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من ذلك حيث تبلغ “250” مليار دولار أمريكي، وهناك أشياء تحتاج إليها سوريا بشدة وهي البنية التحتية الأساسية للطرق والجسور والمدارس والمستشفيات، وهي أيضًا الأشياء التي برعت الصين في بنائها في دول إفريقيا وآسيا، وهي أشياء لا علاقة لها بالسياسة بشكل عام.
أضِف إلى ذلك أن سوريا تستطيع وبسهولة أن تجد لها مكانًا في مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين، وهي محاولة من الصين لإنشاء طريق الحرير الجديد المكون من طرق تجارية متصلة عبر العالم، ورغم عدم وجود خرائط نهائية لهذا الطريق، إلا أن أحد الطرق “الأحزمة” سيمر عبر إيران والعراق وتركيا، ولن يكون المرور عبر أجزاء في سوريا عند إنشاء الطريق.
وبهذا فإن العرض الروسي إلى الولايات المتحدة الأمريكية والذي تم تسريبه يكون مختلفًا عندما ظهر لأول مرة، وهناك عيوب استراتيجية لدى كلٌ من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، إذ تفضل روسيا أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية شريكاً لها في إعادة الإعمار لأن الولايات المتحدة تمنح روسيا بعض السيطرة على عملية إعادة الإعمار فضلاً عن تمييزها عن منافسيها أمثال الصين، ورغم ذلك مازالت الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الغربية تواجه أيضًا معضلة سياسية.
ومن شأن تقديم القروض لإعادة إعمار دمشق، والمال الغربي أن يساعد النظام الذي دمر البلاد، وهناك دور للأموال المحتجزة ودول أخرى وهو ما يمنح الغرب وأمريكا مزيدًا من النفوذ في تلك المنطقة الحيوية بما يخدم المصالح الغربية. ومن المعلوم أن الانتظار طويلاً لاتخاذ قرار بشأن إعادة الإعمار سيجعل النفوذ السياسي المتوقع نظير الأموال المعروضة لإعادة الإعمار أقل نسبيًا.
وبعد إراقة الكثير من الدماء، أصبح النفوذ الروسي الحالي في سوريا موضع تهديد من أحد منافسيها، وبدأ النفوذ التاريخي لأمريكا في الشرق الأوسط ينحصر، وتحظى الصين، بدون طلقة نار واحدة، بالترحيب لدى السلطة السياسية السورية، والحرب التي وُصِفت بأنها حرب بالوكالة لصالح القوى العظمى أصبحت مفتوحة على مصرعيها حيث تفسح المجال لمنافس جديد.

AFP PHOTO/Delil Souleiman