المسار السياسي للسودان يتجه إلى محاكاة مثيله في ميانمار

دنيانيش كامات

AFP photo: Ahmed Mustafa

على الأرجح ستنتهي اتفاقية تقاسم السلطة، التي أبرمها السودان مؤخرًا بين العسكريين والمدنيين، إلى ديموقراطية مختلطة على غرار ميانمار على المدى المتوسط، مع احتفاظ العسكريين بسلطة النقض المؤسسي على المجالات السياسية الرئيسية. ذلك أفضل رهان للقوات السودانية المناصرة للديمقراطية كي تحقق الديمقراطية الكاملة على المدى البعيد.

يُنتظر قريبًا أن يعلن عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء السوداني المدني الجديد، تشكيل حكومته المتألفة من 20 وزيرًا جميعهم من المدنيين باستثناء وزيريْ الدفاع والداخلية، حيث يعيِّنهما العسكريون. أبدى جنرالات السودان عدم رغبتهم في اطلاع المدنيين بصورة منفتحة على الميزانية الضخمة لوزارة الدفاع بالبلاد؛ تمامًا كما هو الوضع في ميانمار حيث يحتفظ العسكريون بسيطرتهم على وزارات الدفاع والداخلية وشئون الحدود. سيكون ذلك التحدي الأول الذي يواجه حمدوك. بحسب بعض التقديرات، فسيضطر رئيس الوزراء إلى تخفيض حصة الجيش في الموازنة، والمُقدَّرة بنسبة 50 بالمئة على الأقل من الميزانية. سيكون حمدوك بحاجة إلى إدارة هذه المسألة بالتركيز، بدلًا من الطرح السابق، على إقناع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج العربي بزيادة دعمهم المخصص للميزانية واستثماراتهم في الدولة.

يضمن المجلس العسكري في ميانمار لنفسه ربع مقاعد البرلمان، وهو ما يضمن له حق النقض النافذ على سياسات الحكومة التي قد تهدد مصالحه. يتحكم المجلس العسكري هناك فيقطاعات شاسعة من الاقتصاد الرسمي للدولة، شأنه في ذلك كشأن نظيره في السودان، من خلالتكتلات تابعة للجيش؛ وليس للحكومة المدنية سلطة على هذه التكتلات. كذلك يسيطر المجلس على حصة أكبر من الاقتصاد غير الرسمي، من خلال الاتجار فيالأخشاب والذهب النحاس، والأحجار الكريمة مثل اليشم والياقوت، في مناطق الهامش بدولة ميانمار والتي دمّرتها حركات التمرد العرقي. وبرغم أن حكومة ميانمار المدنية قد حاولت إبرام اتفاقيات سلام مع المجموعات المتمردة، فقد أحبط العسكريون هذه الجهود حيث جمَّدوا هذه النزاعات واستغلوا المرحلة الانتقالية في إحكام سيطرتهم على التجارة غير المشروعة. بل إن الجيش قد أجرى مفاوضات في بعض الأحيان لإبرام صفقات جانبيةمع المجموعات المحلية، وأتاحت له هذه الصفقات مواصلة استخراج الموارد مع اكتساب وكلاء أيضًا في هذه المناطق، على حساب حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية NLDالحاكم في ميانمار والذي ترأسه زعيمة المعارضة السابقة “أون سان سو تشي”.

يمكن أن يكرر هذا النمط نفسه بصورة جيدة في السودان، حيث العسكريون متورطون حتى الرقاب في التنقيب عن معدن الذهب، وحيث المناطق الهامشية من الدولة موطن لحركات التمرد العرقي التي لم تشملها خطة اقتسام السلطة. يمكن لجنرالات السودان أيضًا، تمامًا مثل جنرالات ميانمار، إبقاء هذه الصراعات مجمدةً لتبرير سلطتهم المؤسسية وميزانيتهم الضخمة، أو شراء ذمم المجموعات المتمردة وخلق وكلاء سياسيين معارضين للقوات المناصرة للديمقراطية في الخرطوم.

وبرغم أن مشروع الميثاق الدستوري للفترة الانتقالية في السودان ينادي علنًا بمحاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الانسان منذ 1989، فلا يُتوقع من الناحية العملية تحقيق تلك المطالب. ومما يوجِّه الأنظار إلى هذه الحقيقة أن الرئيس السابق عمر البشير رهن المحاكمة حاليًا بتهمة الفساد؛ وليس بالتهمة الأشد وطأةً بكثير وهي جرائم الحرب التي ارتكبها في دارفور.

كذلك ورَد أن العسكريين قد أوضحوا أنه لن يتم تسليم أيٍ ممن ينتمون إلى صفوفهم إلى المحكمة الجنائية الدولية.وبالمثل، لم تتم محاكمة أيٍ من الجنرالات الكبار في ميانمار من قِبل الحكومة المدنية التي تقودها “أون سان سو تشي”، سواءً بسبب جرائم الحرب المُرتكَبة ضد أقلية الروهينغا أو بسبب أعمال العنف السابقة ضد الجماعات المناصرة للديمقراطية. كل هذا أقل احتمالًا للحدوث في السودان، حيث يواجه عضوان في المجلس السيادي المدني العسكري المختلط – الفريق أول عبد الفتاح البرهان واللواء محمد حمدان دقلو (الشهير باسم “حميدتي”) – اتهامات بارتكاب جرائم حرب في دارفور.علاوةً على ذلك، يُلقى بلومٍ واسع النطاق على قوات الدعم السريع البالغ قوامها 50.000 فرد، وهي قوة عسكرية يقودها حميدتي، نشأت عن قوات “الجنجاويد” وانفصلت عن القوات المسلحة السودانية النظامية، فيما يخص الحملة العسكرية التي شنتها في يونيو من هذا العام ضد النشطاء المناصرين للديمقراطية؛ والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخص.

الحفاظ على مشاركة الجيش في العملية السياسية، كجزء من انتقال سياسي بعيد المدى، ليس بالضرورة خيارًا سيئًا إذا كان الهدف النهائي منه هو الديمقراطية الكاملة. وفقًا لما تظهِره تجارب الانتقال السياسي في كلٍ من القارة الإفريقية ومنطقة الشرق الأوسط، فإن وقوع الطغمة العسكرية تحت قدر كافٍ من التهديد يمكن أن يحطم الأرضية التي يقوم عليها الانتقال السياسي الجاري.

ينبغي أن يكون الهدف بعيد المدى للديمقراطيين في السودان ألا وهو الوصول إلى وحدة ديمقراطية، وإنشاء مؤسسات مستقلة، ومعالجة المشكلات الاقتصادية الهائلة التي تعانيها البلاد. الشرط الذي نصّت عليه اتفاقية تقاسم السلطة، أي عدم إمكانية إجراء الانتخابات الجديدة قبل مرور مدة ثلاث سنوات، يُفترض أن يمنح الأحزاب المناصرة للديمقراطية وقتًا كافيًا للحشد وترسيخ أقدامها في المجتمع السوداني؛ خصوصًا مع حقيقة أن السودان لا يملك رمزًا بارزًا يناصر الديموقراطية في البلاد.

أخيرًا، وكما فعل حزب “سو تشي” هذا العام بإدخاله تعديلات دستورية لتفتيت الامتيازات العسكرية الراسخة، ففي إمكان الأحزاب السودانية المناصرة للديمقراطية اتباع ذات النهج في المستقبل. لكن، تمامًا كما حدث في ميانمار، لا يتسنى تنفيذ ذلك إلا عند إقناع العسكريين بما يكفي بأن مصالحهم الأساسية غير مُهددة. على الأرجح سيستلزم ذلك أمرين، ضروريين بقدر كونهما بغيضين إلى النفس؛ هما تمديد العفو عن الانتهاكات الماضية واستمرار السيطرة المستقلة للجيش على أدواره ووظائفه.

بمرور الوقت وبينما تخطو السودان نحو الديموقراطية الكاملة، ربما يختار جنرالاتها بعد كل ذلك مواصلة العمل السياسي في ثياب مدنية، كما هي الحال في إندونيسيا ونيجيريا. إن أمكننا الحديث عن درس يستخلصه السودان من مسار ميانمار نحو الديموقراطية، الذي لا يزال شائكًا ملتويًا، فهو أن الطريق العسير إلى الحلول التوافقية والاعتدال هو السبيل الوحيد للمضي قدمًا نحو وصول البلاد إلى الديموقراطية الكاملة.

“دنيانيش كامات” محلل سياسي لشئون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، يقدم المشورة للحكومات كذلك فيما يخص السياسات والمبادرات الاستراتيجية بهدف تعزيز النمو في الصناعات الإبداعية مثل الإعلام والترفيه والثقافة.