بالرغم من اتفاقيات السلام الأخيرة مع الجماعات المتمردة، فإن الانتقال السياسي في السودان بات محل شك

دنيانيش كامات

AFP photo: Ashraf Shazly

بالرغم من الإنجازات الأخيرة، يشهد الانتقال السياسي في السودان مراحله الأكثر حرجًا. وتواجه حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك مجموعة متنوعة من الأزمات. وإذا ما خرجت تلك الأزمات عن السيطرة، فسيمهد ذلك الطريق أمام للجيش لتولي ذمام الأمور في البلاد.

وفي العام الماضي، وقعت حكومة “حمدوك” اتفاقيات سلام مع العديد من الجماعات المتمردة، وانضم قادتها إلى حكومة “حمدوك”. ورغم أن من يترأس الحكومة الانتقالية السودانية إحدى الشخصيات التكنوقراط، إلا أنها تصبغت الآن بصبغة سياسية واضحة. وباتت تلك الحكومة الانتقالية مؤلفة من مجموعة من الجنرالات، ومنظمات المجتمع المدني والتكنوقراط والسياسيين المتخصصين والمتمردين السابقين. وبينما يبدوا هذا الأمر جيدًا طالما أنه يدعم تنوع المصالح، فإنه قد يضع أيضًا لبنة الانهيار النهائي لعملية الانتقال السياسي في البلاد.

وعلى الرغم من التطورات السياسية الأخيرة، لا يزال العنف يمزق البلاد. وعلى الرغم من اتفاقيات السلام بين الحكومة والجماعات المتمردة في دارفور، إلا أن سكان دارفور العاديين ظلوا يواجهون أعمال عنف واسعة النطاق. وفي يناير/كانون الثاني، قُتل 470 شخصا في أعمال عنف بين القبائل العربية وغير العربية. وفر أكثر من 120 ألف شخص من منازلهم، فيما فر 4300 على الأقل إلى دولة تشاد المجاورة.

واندلع العنف بعد أسبوعين فقط من انتهاء مهمة قوة حفظ السلام المشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في المنطقة. ووعدت الحكومة في الخرطوم بإرسال قوة حفظ سلام سودانية لدارفور. ومع ذلك، هناك مخاوف من أن تضم تلك القوة أفراد من الميليشيات السابقة وهي المسؤولة عن العنف في دارفور. ومن شأن تصعيد العنف أن يضغط حتمًا على المتمردين السابقين للتخلي عن اتفاق السلام وحمل السلاح مرة أخرى، وذلك في ضوء اعتبار أن موقف الحكومة سلبيًا تجاه هذا العنف أو أنها تساعد عليه. وبهذا ينهار الجزء الأهم في عملية الانتقال السياسي في السودان.

وشهد السودان أيضًا احتجاجات عنيفة في مناطق الأخرى في البلاد، والسبب الرئيسي في ذلك هو الاقتصاد الفاشل. واجتاحت الاحتجاجات الدولة بأكملها تقريبًا. ويبلغ معدل التضخم في السودان نحو “200%”، وهو ثاني أعلى معدل تضخم في إفريقيا بعد زيمبابوي. وهناك نقص واسع النطاق في المواد الأساسية مثل الوقود والخبز والأدوية. وهناك جهود يبذلها “حمدوك” لإعادة التفاوض على ديون السودان الهائلة بقيمة “70” مليار دولار، وما يدفع “حمدوك” إلى اتخاذ مسار الإصلاح المؤلم، بما في ذلك خفض الدعم وتخفيض قيمة العملة. وهذا قد يزيد الأوضاع سوءًا في الشارع السوداني. إن الرد القاسي من جانب الحكومة، أو إدراك أن الإدارة السيئة للاقتصاد ستستمر من شأنه أن يشوه أكثر سمعة الحكومة الانتقالية. وقد يكون هذا ذريعة مثالية للجيش للتدخل بحجة فرض النظام.

وبالإضافة إلى ذلك، تواجه حكومة “حمدوك” العديد من التحديات السياسية والخارجية والتي يمكن أن تهدد المرحلة الانتقالية. ومن المرجح أن يتصاعد التوتر بين الإسلاميين والعلمانيين في الأيام المقبلة.

وفي العام الماضي، وافقت الحكومة على فصل الدين عن الدولة لتلبية أبرز مطالب إحدى الجماعات المتمردة. ومع ذلك، يبدو أن الحكومة تراجعت عن موقفها هذا العام. وفي الشهر الماضي، وافقت حكومة حمدوك على تجميد جزء من المناهج التعليمية بعد الثورة والتي تُسيئ للإسلاميين. وقد أثار هذا غضب العلمانيين، وخاصة أوساط الجماعات المتمردة والتي تتألف قاعدتها الجماهيرية من غير المسلمين أو المسيحيين. ومن المرجح أن تستمر هذه التوترات في ظل سعي الحكومة لإرضاء جميع الأطراف.

ومن أقوى التهديدات التي تواجه التحول الديمقراطي هو العلاقة بين الأطراف التي تشكل الحكومة وهما جنرالات الدولة ومنظمات المجتمع المدني. وهناك امتعاض بين منتظمات المجتمع المدني بسبب عدم وجود زخم للتحقيق مع أفراد الجيش المسؤولين عن القمع العنيف للاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في عام 2019 ومقاضاتهم. علاوة على ذلك، حرص حمدوك، الخبير الاقتصادي، على عدم المساس بقطاع تعدين الذهب المربح في السودان، ويحظى باهتمام بالغ من جانب الجيش. واتضح من الأحداث الأخيرة في ميانمار أن الجيوش التي تواجه المحاكمة أو ترى أن مصالحها التجارية مهددة ستتدخل للقضاء على الحكومات المدنية. ومع ذلك، سيستمر حمدوك في مواجهة ضغوط منظمات المجتمع المدني لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

وأثار اعتراف السودان الأخير بإسرائيل الاحتجاجات من المعسكرين. ويعتقد البعض أن الحكومة الانتقالية يجب ألا تتخذ قرارًا رئيسيًا في السياسة الخارجية، تاركة الأمر لحكومة منتخبة في المستقبل. وهناك أيضًا احتجاجات من الجماعات الإسلامية، وبعضها متحالف مع الرئيس السابق “عمر البشير”. وتستطيع تلك الجماعات الإسلامية استغلال معارضتها للاتفاق مع إسرائيل لتشويه سمعة العملية الانتقالية بأسرها.

وتشهد التوترات بين إثيوبيا والسودان تصاعدًا متزايدًا. وقد يؤدي وجود 43 ألف لاجئ من تيجراي في شرق السودان إلى تأجيج التوترات العرقية في المنطقة، ويزيد من الضغوط على الاقتصاد. واندلعت اشتباكات حدودية بين السودان وإثيوبيا على امتداد منطقة متنازع عليها من حدودهما. وقد يكون تصعيد هذا الصراع أيضًا ذريعة مثالية للجيش لتولي زمام الأمور في البلاد، حتى لو مؤقتًا.

والاختبار الأول والأهم الذي تشهده البلاد سيكون قرب نهاية الشهر، عندما يعين حمدوك حسبما هو مفترض أعضاء في البرلمان الانتقالي. ومن المحتمل أن يتسبب هذا الإجراء في نشر الحقد في البلاد. وقد يستغل الجيش المشاحنات بين السياسيين السودانيين ومنظمات المجتمع المدني المصحوبة بالعنف في الشارع للتخلص من التجربة الديمقراطية. أضف إلى ذلك حقيقة أن الحكومة الانتقالية لم تبلغ السلطة عن طريق الانتخابات، وأن البلاد تفتقر إلى زعيم جماهيري بارز منتخب ديمقراطياً. وبالنظر إلى كل هذا، ستكون معجزة حقًا إذا نجح “حمدوك” في قيادة بلاده بنجاح نحو الديمقراطية.

دنيانيش كامات، محللاً سياسيًا في شئون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ويقدم أيضًا استشارات للحكومات حول المبادرات السياسية والإستراتيجية لتعزيز نمو الصناعات الإبداعية كالإعلام والترفيه والثقافة.