الأبحاث التي تفيد بأن التلوث يزيد من مخاطر مرض السكري تواجه مشكلة في الشرق الأوسط

جوناثان جرونال

مرض السكري من النوع 2 يعُد من الأوبئة القاتلة المنتشرة على مستوى العالم وخاصة دول الخليج التي تتمتّع بالثروة، حيث يُعتبر بمثابة الجانب السلبي الذي يتعلّق باعتلال الصحة، وهذا المرض لا علاج له، ولا يوجد من حل لتلك المشكلة سوى الوقاية من المرض في المقام الأول أو على الأقل تخفيف آثار المرض عبر تغيير نمط الحياة، لكن تناول الطعام الصحي سواء كان قليلاً أم كثيراً وإنقاص الوزن وممارسة الرياضة هي أشياء من الصعب الالتزام بها فعلاً لا قولاً، ولك أن تتخيّل إذا ما اقترح شخص ما أن السبب في مُعظم حالات المرض يعود إلى شيء ما في الهواء الجوي ولا يعود إلى نمط الحياة الخاطئ.

وجاءت تلك البيانات ضمن ورقة بحثية تم نشرها هذا الشهر بمجلة لانسيت Lancet، وقال تقرير صادر عن وزارة شؤون المحاربين القدامى قام بإعداده عدد من علماء الأوبئة أنه في العام 2016 كانت هناك 3.2 مليون إصابة بمرض السكري، وكانت هناك 206 ألف و105 حالة وفاة نتيجة المرض، والأهم هو أن تلك الإصابات أو الوفيات لا تعود إلى السِمنة أو عدم ممارسة الرياضة؛ وإنما تعود إلى ارتفاع نسبة مادة من المُلوِثات تسمّى PM2·5. موجودة في الهواء الجوي.

وأما PM2·5. فهي عبارة عن مجموعة من الجسيمات تنتشر في الهواء الجوي وتأتي من عدة مصادر، وتلك الجسيمات تستطيع اختراق الرئتين والشرايين وهي على بُعد 2.5 ميكرو متر، وتلك المادة تُعرف بأنها مادة فتّاكة، وأنها تجعل الإنسان عُرضة للإصابة بأمراض الجهاز التنفسي وعدوى انسداد الرئتين المزمنة وأمراض القلب والسكتة الدماغية وسرطان الرئة، وكانت هناك أبحاث قد صدرت في وقت سابق وأكّدت على وجود صلة بين ارتفاع نسبة مادة PM2·5. في الهواء الجوي وبين ارتفاع نسبة الإصابة بمرض السكري، لكن الدراسة التي نحن بصددها الآن تُقدِم الدليل القاطع وللمرة الأولى على أن تلك الصلة لها سبب محدد وليست من قبيل الاستنتاج، وقد قام الباحثون بملاحظة الحالة الصحية لمليون و700 ألف شخص من المحاربين القدامى الذين لم يُصابوا بمرض السكري قبل ذلك، واستمرت فترة الملاحظة حوالي 8 سنوات وستة أشهر، وتم تقييم عملية تعرُض هؤلاء المحاربين لمُلوِثات الهواء باستخدام أجهزة استشعار تعمل عبر الأقمار الصناعية، ومجموعة من محطات المراقبة الأرضية تم نشرها على امتداد البلاد.

وضم كتيب القواعد الإرشادية الخاص بمنظمة الصحة العالمية أن تركيز 10 ميكرو غرام من مادة PM2·5. في مساحة متر مكعب (يُرمز لها ب10 μg/m3) هي من أقل النسب التي من الممكن أن تؤدي إلى الإصابة بأمراض القلب والرئة وسرطان الحنجرة والوفاة، وأن تلك الأمراض تزيد نسبة الإصابة بها جرّاء التعرُض مدة طويلة لمادة PM2·5.، لكن الباحثين التابعين لوزارة شؤون المحاربين القدامى اكتشفوا أن زيادة مادة PM2·5. بنسبة 10 μg/m3 يؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بمرض السكري بنسبة 15%، كما يؤدي إلى زيادة خطر الوفاة الناتجة عن المرض بنسبة 8%.

والحقيقة أن تلك المعلومات تُعد بمثابة أخبار غير سارة خاصة بالنسبة لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث أن العديد من تلك الدول تشهد انتشار مادة PM2·5. بنسبة أعلى بكثير من 10 μg/m3، والواقع أن أسوأ الدول على مستوى العالم التي تُعاني من تلك المشكلة هي المملكة العربية السعودية حيث تبلُغ النسبة بها 127 μg/m3 وهي نسبة مرتفعة للغاية، ثم تأتي قطر في المركز الثاني بنسبة (105) ثم مصر (101)، أما قائمة أسوأ 60 دولة على مستوى العالم فتشمل الكويت (78 μg/m3) والإمارات العربية المتحدة (64) والبحرين (60) والعراق (51) وسلطنة عُمان (47) واليمن (42) وإيران (40) والأردن (38) وتونس (35) وسوريا (34) ولبنان (31).

والحقيقة أن هناك عدة دول على مستوى العالم يبلُغ تركيز مادة PM2•5 بها أقل من النسبة الآمنة التي حددتها منظمة الصحة العالمية وهي 10 μg/m3 ومن تلك الدول السويد وأستراليا والنرويج، وقد أكّد الباحثون الأمريكيون أن خطورة الإصابة بمرض السكري بالنسبة للمليون و700 ألف شخص من المحاربين القدامى الذين تم فحصهم تزيد كثيراً عن نسبة 2•4 μg/m3، وتلك النسبة تعُد بمثابة تكذيب لأرقام منظمة الصحة العالمية التي أعلنت أن نسبة 10 μg/m3 هي النسبة الآمنة، وكذا فقد وجد هؤلاء الباحثين أن هناك نسبة خطر بسيطة لو زادت النسبة عن 10، وأن نسبة الخطر الحقيقية هي 12μg/m3.

لكن الحقيقة أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي أكثر منطقة على مستوى العالم تشهد انتشاراً ل”القاتل الصامت”، حيث أن تلك المشكلة في تلك المنطقة تعُد خارج نطاق السيطرة، وتقول تقارير “الاتحاد الدولي للسكري” أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ستشهد زيادة في الإصابة بمرض السكري بنسبة 110% بحلول العام 2045، وأن تلك النسبة ستصل إلى 156% على مستوى قارة إفريقيا، وتزداد الصورة قتامة حين ننظر إلى المملكة العربية السعودية حيث أن نسبة الإصابة بمرض السكري من النوع 2 تصل إلى 18.5% من مجموع تعداد السكان، وتعُد النسبة أقل في الإمارات العربية المتحدة (15%) والكويت (15.1%) ومصر (15.1%) ولبنان (14.6%).

لكن هذا البحث الجديد لم يُقدِم دليلاً على أن هناك نسبة كبيرة من حالات الإصابة بمرض السكري ناتجة عن تلوث الهواء الجوي بمادة PM2•5 وليست ناتجة عن نمط الحياة الخاطئ.

وفي البداية، فإن الباحثين لم يقوموا بتقييم الآثار المحتملة لباقي مُلوِثات الهواء التي تُسبّب الإصابة بمرض السكري مثل أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد النيتروجين، وقام الباحثون فقط بتقديم النصح حول ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث في هذا الصدد، كما أن هؤلاء الباحثين لم يقوموا بفحص مصدر مادة PM2•5 ولا محتواها الكيميائي ولا درجة السموم الموجودة بها، والواقع أن الأجزاء الأساسية المكوِنّة لمادة PM2•5 تتنوع من منطقة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى، وكذا فهي تتنوع بين النترات والكبريتات، وأن تلك المادة تنتشر بشكل أساسي بسبب محركات السيارات ومحطات توليد الطاقة وحبيبات الكربون التي تنتشر في الهواء الجوي لأسباب عديدة، منها أسباب بشرية (مثل أدخنة عوادم السيارات وحرق المخلفات)، وأسباب طبيعية (مثل النباتات والحيوانات وحرائق الغابات).

لكن هناك عنصر طبيعي آخر لمادة PM2•5، وهو عنصر لا يمكن تفاديه لأنه يتكون بسبب جسيمات دقيقة للتربة التي تحملها الرياح والرمال وما يُطلق عليه مكونات القشرة الأرضية، وإنه ليس من قبيل الصدفة أن الدول التي تُعاني من ارتفاع نسبة مادة PM2•5 بما فيها دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تلك الدول تقع في الحزام الصحراوي العالمي.

وقد كان هناك جدل شديد في العام 2015 حينما ادّعى البنك الدولي أن نوعية الهواء الجوي في الإمارات العربية المتحدة أسوأ من نظيرتها في الصين أو الهند، حيث أن الإمارات العربية المتحدة يوجد بها العشرات من محطات مراقبة الهواء الجوي، حيث أسفرت تقارير تلك المحطات عن أن النسبة الأكبر من مادة PM2•5 تعود إلى الرمال التي تذروها الرياح ولا تعود إلى الوقود الحفري.

وهناك مقياس واحد استخدمه الباحثون من أجل تفسير الأذى الخاص بالإصابة بمرض السكري الناتج عن انتشار مادة PM2•5 التي تلوث الهواء الجوي، وهو الأذى الذي ينتج عنه عجز الإنسان لفترات طويلة من عمره، ويُسمّى هذا المقياس “دالي” ويشمل كل 100 ألف نسمة من تعداد السكان، ويعتمد هذا المقياس على حساب عدد السنوات التي يفقدها الإنسان بسبب الوفيات المبكرة أو العجز الذي يحدث نتيجة توافر شروط معينة.

وقد قال هؤلاء الباحثين أن انتشار مادة PM2•5 يتسبّب في 112.2 وفاة لكل 100 ألف نسمة من السكان على مستوى العالم، وطبقاً لهذا المقياس فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تُعاني أكثر من أي منطقة على مستوى العالم، وعلى سبيل المثال، فإن انتشار مادة PM2•5 في دولة البحرين يؤدي إلى وفاة 258.6 مواطن من كل 100 ألف نسمة، ثم مصر (175.2) وسلطنة عُمان (156.8)، لكن النسبة تقل في الكويت حيث تصل إلى (95.4) بينما تزيد بصورة هائلة في جارتها العراق حيث تصل إلى (183.7)، كما أن النسبة التي تبلُغ في الإمارات العربية المتحدة (141.5) تتناقض بشكل لا يمكن تفسيره مع النسبة في المملكة العربية السعودية التي تبلُغ (97.1) فقط، والحقيقة أن اختلاف النِسب بهذا الشكل في تلك الدول المتجاورة يعُد بمثابة لغز على الباحثين الكشف عنه.

وكان هؤلاء الباحثين قد توصلوا لاستنتاج مؤداه أن مرض السكري الناتج عن انتشار مادة PM2•5 الملوِثة للهواء يعُد من المُسلّمات، كما نصح هؤلاء بتقليل تعرُض البشر لتلك المادة سينتج عنه منافع صحية عديدة.

ومن الصعب استكشاف ما يمكن عمله من أجل تقليل النتائج الضارة لانتشار مادة PM2•5 بشكل جذري بالنسبة للدول التي تسعى جاهدة من أجل تقليل الانبعاثات بجميع أنواعها، خاصة تلك الدول التي تُشكِل فيها الصحراء سبباً رئيسياً لانتشار الملوثات في الهواء الجوي، والواقع أنه لا يوجد شيء في تلك الورقة البحثية من الممكن أن يدفع بالساسة الذين يكافحون مرض السكري أن يقوموا بتبنّي استراتيجيات للصحة العامة، والأكيد أن تلك الورقة البحثية لا تعُد بمثابة عذر لك من أجل الإكثار من تناول الطعام والتوقُف عن ممارسة الرياضة.

AFP PHOTO/FAYEZ NURELDINE