الزم بيتك، تحفظ نفسك والعالم حولك

جوناثان جرونال

AFP Photo: Behrouz Mehri

نظرًا لزيادة حالات الإصابة بفيروس “كوفيد19” حول العالم، يبدو أنه لا جدوى من الحديث عن الجوانب الإيجابية التي قد تظهر بسبب هذا الفيروس، ولكن هناك العديد من الإيجابيات التي ستحدث حتما.

ومن أكبر التغييرات الاجتماعية التي تحدث في ظل أخذ الشركات والأفراد بنصائح حكوماتها وعزل أنفسها ذاتيا، وإخلاء مواقع العمل، هو ذلك القرار المفاجئ وغير المسبوق بخصوص العمل من المنزل، والذي تتضح مزاياه أكثر يومًا بعد يوم. إن أملنا الوحيد، بعد القضاء نهائيًا على هذا الفيروس، هو أن تغير الشركات في جميع أنحاء العالم بشكل جذري ودائم طريقة عملها، لصالح موظفيها، وعائداتها – والبيئة.

وأظهرت الصور المذهلة والملتقطة عبر الأقمار الصناعية تحسن كبير في جودة الهواء فوق الدول التي فرضت إجراءات حجر صحي صارمة – كالصين وإيطاليا – وبالتالي خفضت استخدام السيارات والمركبات الأخرى المسببة للتلوث.

ويمثل الانخفاض المفاجئ والمثير في الرحلات الجوية كارثة للعديد من شركات الطيران، ولكن من المؤكد أيضًا أنه سيسهم في مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري. وعلى الرغم من إغلاق الحدود، وإلغاء الرحلات الجوية والمؤتمرات وغيرها من الأحداث حول العالم، فإن علاقات العمل الدولية لا تزال قائمة بطريقة أو بأخرى. وربما يدرك الكثيرون أن إرسال الموظفين إلى المؤتمرات الدولية باهظة الثمن والمستهلكة للوقت ليس فقط مضرًا بالبيئة، ولكنه أيضًا لا يعدو كونه عذرًا لرحلة لا طائل منها إلى وجهةٍ غريبة بعيدة المدى.

ويفضل العديد من أصحاب القرار والسياسيين التواصل مع نظرائهم وجهاً لوجه ومصافحتهم، قناعة منهم بأنهم لن يتمكنوا من الحكم عليهم بالشكل السليم إلا برؤيتهم. ومع ذلك، سيستمر العمل دون الحاجة إلى الملامسة الشخصية، والتي من الأفضل تجنبها في الوقت الحالي، وتبدو أقل أهمية على المدى الطويل.

ومنذ سنوات، هناك وسائل فعالة لدعم العمل من المنزل. ومن خلال منصات مثل سكايب أو زووم، يمكن إجراء المؤتمرات أو الاجتماعات الفردية بسهولة وفعالية من أي مكان تقريبًا. ويمكن مشاركة المستندات والمزيد بسهولة عبر محرّر مستندات جوجل والتطبيقات الأخرى، كما أن التعاون في مشروع متعدد المستخدمين أمر سهل مع برامج مثل Microsoft Office 365 Suite.

وقد أظهرت دراسات لا حصر لها أن أداء العاملين في المنازل أفضل بشكل عام من أداء زملائهم في مقرات العمل. وتكمن المشكلة في أن العديد من الشركات لا تثق في أن موظفيها سيتحلون بالمسؤولية ويحافظون على ساعات العمل المعمول بها منذ القرن السابق وهو البدء من التاسعة صباحا والانتهاء في الخامسة مساء. ووجهة النظر تلك غير صحيحة من جميع الجوانب، وعلى الأقل من منظور الأموال التي تتكبدها الشركات لتأجير مقرات للعمل أو شرائها لمجرد أن يحصر المديرون عدد العاملين الموجودين.

وبصفتي صحفي مستقل، عملت من المنزل عدة سنوات، وكان التواصل الاجتماعي خلال يوم العمل مقصورًا على زيارة عارضة من ساعي البريد أو سائق توصيل منتجات أمازون، والمقابلات التي أجريتها مع العديد من الشخصيات حول العالم عبر تطبيقات سكايب، زووم، وواتس اب، أو عبر الهاتف التقليدي. وبفضل فيروس كورونا، تمارس زوجتي أيضًا عملها من المنزل. ولكنني غفلت عن هذا الأمر في صباح يومٍ ما من الأسبوع الماضي، وذلك عندما نزلت إلى الطابق السفلي لأحتسي فنجانًا من القهوة، ووجدت نفسي أحدق في تسعة وجوه تبادلني النظرات من جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بزوجتي، والذي كان مثبتًا على منضدة المطبخ.

لقد مررت فجأة أمام المؤتمر الذي كان له أن يُعقد كالعادة في إحدى غرف الاجتماعات في الجامعة التي تعمل بها زوجتي. وقلت مرحبا للغرباء الموجودين في غرفة الطعام الخاصة بي، ثم صعدت إلى الطابق العلوي، وشعرت بالامتنان لأنني لم أرتدي ملابس النوم الخاصة بي في ذلك الصباح. (وأعترف أن الاضطرار إلى الوفاء بالمواعيد النهائية، والتأقلم مع فروق التوقيت يعني أنني لا أعطي تغيير ملابس الأولوية في الصباح). وبعدها، دار في ذهني بعض الأمور.

إذا ما قلنا أن كل من حضر المؤتمر كانوا يقضون على الأقل ثلاثين “30” دقيقة لقطع مسافة 25 كيلومترًا تقريبًا ذهابًا إلى العمل وإيابًا منه بواسطة السيارة، فإن العمل من المنزل قد وفر لهم ما مجموعه 50 ساعة من السفر غير المجدي وغير المنتج في أسبوع واحد فقط. ومن الواضح أن توفير تلك الساعات – أي ما يعادل زيادة في القوة العاملة بنسبة 10 بالمائة – سيكون ميزة هائلة لصاحب العمل. ويستطيع الموظف استغلال الوقت الذي لم يقضيه في السفر لتحسين هذا التوازن المهم بين العمل والحياة. وأعلم العديد من الآباء الذين يسافرون للعمل بالقطار أو السيارة كل يوم، حيث يغادرون إلى العمل مبكراً، ويأتون إلى المنزل متأخرين، ولا يجلسون مع أطفالهم إلا في عطلة نهاية الأسبوع فقط.

وهناك تأثير على البيئة. وبالاستعانة بجداول الانبعاثات الدولية القياسية، وجدت حسابيًا أنه بدون الذهاب بالسيارة إلى العمل والعودة منه، فإن هؤلاء الأشخاص العشرة وحدهم يوفرون أكثر من 4000 كجم من ثاني أكسيد الكربون سنويًا. ومع أخذ تلك النسبة في الاعتبار، نجد رحلة من دبي إلى مطار جون كنيدي في نيويورك تنتج تقريبًا 1700 كجم من ثاني أكسيد الكربون لكل راكب، في حين أن كل شخص في دولة الإمارات العربية المتحدة يتسبب في إنتاج حوالى 23000 كجم سنويًا من ثاني أكسيد الكربون.

واليوم، لا تجد من يشك في أن فيروس كورونا هو واحد من أخطر التهديدات لحياة الإنسان التي شهدها العالم منذ فترة طويلة جدًا. ولكن الشيء المؤكد أيضًا هو أن هذا التهديد سينتهي أيضًا. وإذا تيقنا من ذلك، لصالحنا وصالح الكوكب الذي نعيش عليه، فلنأمل أن تكون الدروس النفيسة التي تعلمنا إياها من هذا الفيروس هي الطريق الذي نهتدي به في حياتنا.

 

جونثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل سابقًا لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.