الأكراد المحاصرون بين ثلاثة دول باتوا مُجبرين على اللجوء للمُنقِذ بشار الأسد

فيصل اليافعي

منذ الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003 وسقوط صدام حسين، نادراً ما شعر الاكراد بالخطر، ولكن على امتداد ثلاث دول باتت المكاسب التي حصل عليها الأكراد سواء تلك السياسية أو التي تتعلّق بالحصول على الأراضي في مهب الريح، وفي سوريا على وجه الخصوص؛ بات التحالُف بين الأكراد وواشنطن أضعف مما مضى، وأصبحت تركيا تمارس نفوذها العسكري على الأكراد بمعاونة روسيا، وبعد أن أحس أكراد سوريا أن الموقف بدأ يفلت من أيديهم فقد بدأوا في خطوات للحفاظ على القوة والأرض التي يملكونها، حتى ولو كان هذا سيتم عبر صفقة يتم إبرامها بينهم وبين بشار الاسد.

ومنذ بداية الحرب الأهلية السورية، حاول الأكراد -المتمركزون في شمال شرقي البلاد بمحاذاة الحدود السورية التركية- الشروع في علاقات متوازنة مع النظام السوري والثوار، كما حاولوا تأمين وضعهم بعيداً عن الأخطار، لكن حين بدأ النظام السوري يخسر المدن واحدة تلو الأخرى بدأ الأكراد في التنكُر للنظام السوري، وبدأوا في التحضير لحكومة كردية انتقالية أو حتى الانفصال بشكل تام عن سوريا.

أما أنقرة التي تُعاني من مشكلات مع المسلحين الأكراد في الداخل التركي والتي اتهمت الجماعتين الكرديتين بالوقوف وراء تلك الهجمات فقد كان رد فعلها ساحقاً.

وبعد أن استعادت تركيا مدينة عفرين الاستراتيجية السورية من يد الميليشيات الكردية في فبراير الماضي؛ بدأت تركيا في التركيز على “منبج” وهي مدينة صغيرة تقع شمالي سوريا على الضفة الغربية لنهر الفرات، وهي مدينة لها أهمية استراتيجة لا مثيل لها، وكانت المدينة في قبضة تنظيم الدولة الإسلامية قبل أن تحتلها قوات سوريا الديمقراطية في العام 2016 وهي القوات المحسوبة على الأكراد والمدعومة من واشنطن، والحقيقة أن تلك القوات يقودها مسلحون أكراد تقول أنقرة أنهم متحالفون مع الميليشيات الكردية المسلحة التي تعمل في الداخل التركي، والواقع أن السياسة التركية تقوم على إزاحة تلك الميليشيات عن منطقة الحدود السورية التركية.

وفي شهر يونيو وافقت كل من أنقرة وواشنطن (اللتان كانتا تدعمان قوات سوريا الديمقراطية) على خريطة طريق تقضي بانسحاب الميليشيات الكردية من المدينة على أن تحل محلها وحدات أمريكية – تركية، وانسحبت الميليشيات الكردية بالفعل في اليوم التالي.

وبالنسبة لواشنطن، فإن خطة الدوريات المشتركة مع الأتراك ستجعلها (أي واشنطن) تمسك بالعصا من المنتصف حيث أنها سترضي حليفتها تركيا عضو حلف شمال الأطلنطي (نيتو) بالإضافة إلى إرضاء حلفائها الأكراد، كما أن تلك الخطوة ستمنع أنقرة من التفكير في الهجوم على المدينة، وعلى الرغم من موقف واشنطن المُعلن أن القوات الأمريكية ستبقى في سوريا للأبد؛ فإن أنقرة تراهن على إصابة تلك القوات بالإجهاد، خاصة مع تواجُد رئيس مثل دونالد ترامب في البيت الأبيض، كما أن أنقرة تراهن على أن واشنطن لن تُبقي على القوات الأمريكية في منطقة مجهولة من سوريا، وأن القوات الأمريكية ستعود أدراجها لا محالة، ومن ثم ستصبح المدينة في قبضة القوات التركية دون إطلاق رصاصة واحدة.

وخلال الشهر الماضي، قام الجيش التركي أيضاً بعمليات عسكرية ضد الميليشيات الكردية في الداخل العراقي، حيث قامت الطائرات التركية بقصف منطقة جبل قنديل، وقد تم التنسيق بين أنقرة وطهران فيما يتعلّق بتلك الهجمات، مما أثار مخاوف الأكراد من إيران – التي تسيطر على حكومة بغداد – بأنها قد تسعى للاطاحة بالأكراد بمجرد تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد هدّد ببقاء القوات التركية في شمال العراق لوقت طويل.

أما في الداخل التركي فموقف الأكراد لا يقل تعقيداً بسبب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت مؤخراً، فمن ناحية، حصل حزب الشعب الديمقراطي HDP الموالي للأكراد على مقاعد أكثر من السابق في الانتخابات البرلمانية، وحصد الحزب 11% من إجمالي الأصوات في تلك الانتخابات، كما خاض زعيم الحزب “صلاح الدين دميرتاش” الانتخابات الرئاسية من خلف القضبان، ومن ناحية أخرى، فإن أردوغان قد دخل في حلف مع حزب الحركة القومية MHP، وهو الحزب الذي يعارض بشدة القيام بحوار مع الجماعات الكردية، حتى مع الجماعات الديمقراطية منها، والواقع أن حزب الحركة القومية إذا ما بدأ في التحريض ضد الأكراد فإن أردوغان الذي يخشى الاصطدام باليمين التركي سيكون مدفوعاً إلى التصعيد ضد الأكراد.

وأما الأكراد الذين باتوا مُحاصرين من ثلاث جهات، فيبدو أنهم سيقومون بطلب العون من طرف غير متوقّع: دمشق.

والحقيقة أن الأكراد لم يكونوا راضين عن فقدان مدينة منبج، لكن وإذا كان الأمر كذلك فقد كان من الأهون على الأكراد ترك المدينة للنظام السوري بدلاً من أنقرة، والأمر ذاته ينطبق على الكثير من الأراضي في شمال شرقي سوريا التي لا زالوا يسيطرون عليها، حيث أن الجماعات الكردية ستختار فقدان تلك الأراضي في إطار صفقة مع دمشق بدلاً من ترك القوات التركية تسيطر عليها، ودائماً ما يُعلن الساسة الأكراد أن سوريا بها جماعتين سوريتين تسيطران على الأرض: الأكراد والنظام السوري.

وبدأ الطرفان في إرسال الرسائل، ففي بداية يونيو صرّح بشار الأسد خلال حوار صحفي أن الباب مفتوح أمام التفاوض مع الأكراد، وأضاف أن الجيش السوري سيقوم بتحرير الأراضي السورية إذا تقاعست الميليشيات الكردية عن القيام بذلك، وكان رد أحد أبرز الساسة الاكراد على تلك المبادرة هو الإعلان عن تطلُعه لنقطة تحول تاريخية في العلاقات مع النظام السوري.

والحقيقة أن الأكراد إذا ما قاموا بالتحالُف مع النظام السوري؛ فإن تلك الخطوة ستؤدي إلى إخلال التوازن بالمنطقة، فواشنطن لن تستمر في دعم قوات سوريا الديمقراطية إذا ما قامت بدورها بالتحالُف مع بشار الأسد، وبالنسبة لأكراد العراق الذين لا زالوا يُصدِرون النفط عبر تركيا، فإن وجود جماعات كردية متحالفة مع الأسد سيضر بموقف أكراد العراق، والأمر ينطبق على أكراد تركيا حيث يريد أردوغان فصل الجماعات الكردية التركية عن نظيرتها السورية.

والواقع أن التعقيد الذي يحيط بالمسألة الكردية يعني أن أي تغيير في التحالفات السياسية في سوريا لن تقتصر نتائجه على الداخل السوري، لكن بالنسبة للأكراد الذين يريدون الإفلات من القبضة التركية وكذلك يعانون من إهمال واشنطن قد يضطرون لاستخدام تلك الورقة السياسية القوية التي بات الوقت مناسباً للدفع بها في الوقت الحالي.

AFP PHOTO/Delil Souleiman