القرار الإسباني يشير إلى ميل الكفة لصالح إعادة عرائس داعش إلى أوطانهن

فيصل اليافعي

Image courtesy of Delil Souleiman / AFP

يدور الحوار الدبلوماسي بهدوء في دهاليز العالم الغامض لعائلات داعش، وفي يوم الاثنين الماضي أقرت الحكومة الإسبانية بهدوء بأنها ستعيد العديد من زوجات وأطفال مقاتلي داعش الإسبان، قبل نهاية السنة. وقدرت تقارير الصحف العدد بثلاث نساء و13 طفلا، وهو رقم يمثل، على الرغم من صغره، تغيرا كبيرا بالنسبة للدول الأوروبية.

ويصل عدد النساء والأطفال الذين أعيدوا من معسكرات الاعتقال التي يديرها الأكراد في شمال سوريا هذا العام إلى أكثر من 500 شخص، وهو أكبر عدد من الرعايا الأجانب الذين أعيدوا على الإطلاق، وعلامة على أن موجة الرفض من قبل البلدان في الخارج، وخاصة الدول الأوروبية، تتحول تدريجيا.

لقد أربكت قصة ما يجب فعله مع نساء وأطفال مقاتلي داعش الدول في جميع أنحاء العالم وذلك منذ استعادة أراضي داعش المترامية الأطراف في عام 2019. وهناك ما يقرب من 10,000 رجل وصبي محتجزين في السجون التي يديرها الأكراد، و60,000 امرأة وطفل في المخيمات الكردية. ولا يُعرف بعد العدد المحدد للأوربيين في صفوفهم، ولكن تم تقديره بحوالي 1000، وكان التركيز لسنوات على النساء والأطفال العائدين، الذين ولد الكثير منهم في الأراضي التي يسيطر عليها داعش.

ورفضت جميع الدول الأوروبية تقريبا في البداية إعادة مواطنيها، متذرعة بمجموعة متعددة من الأسباب، من عدم القدرة على الوصو للمخيمات إلى القضايا الأمنية، ولكن في الأشهر الـ 18 الماضية، رضخ معظم تلك الدول، واستعادت جميع الدول الأوروبية الكبرى عدد قليل من مواطنيها، ومعظمهم من النساء والأطفال.

وإسبانيا ليست سوى أحدث دولة غربية تفعل ذلك، وفي الأسابيع القليلة الماضية، أعادت فرنسا وبريطانيا وأستراليا بعض مواطنيها، ويبدو أن ذلك التغيير مرتبط بقضية بارزة رفعت ضد فرنسا في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هذا العام.

وتم متابعة القضية الفرنسية عن كثب، لأن العديد من المواطنين الفرنسيين انضموا إلى داعش، أكثر من أي بلد أوروبي آخر. وكانت باريس مترددة للغاية في إعادة النساء والأطفال، حتى الأيتام، بحجة أنهم ما زالوا يشكلون خطرا أمنيا.

ورفعت القضية في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان نيابة عن امرأتين تعيشان حاليا في معسكر اعتقال يديره الأكراد مع أطفالهما، وقالت أن رفض الحكومة الفرنسية إعادتهما إلى وطنهما يمثل انتهاك لحق المرأة في دخول الدولة التي تنتمي إليها، وفي منتصف شهر سبتمبر، خسرت فرنسا القضية ووافقت على إعادة النظر في ملفات المرأتين.

وأعادت فرنسا فجأة 15 امرأة و40 طفلا بعد مرور أسبوع، وهي واحدة من أكبر عمليات الإعادة الجماعية التي قامت بها دولة أوروبية، ومن غير المعروف ما إذا كانت المرأتان اللتان أحيلت قضيتاهما إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان من بين تلك النسوة.

ولم يغير قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الإطار القانوني للدول الأوروبية، بل أنه لم يثبت أنه يجب إعادة المواطنين الأوروبيين، وكل ما فعله ذلك القرار هو الإشارة إلى أنه ينبغي لهيئة مستقلة أن تنظر في أي قرارات من ذلك القبيل، حتى لا يخضع المحتجزون لقرارات تعسفية.

لكن يبدو أن قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قد أثر على الدول الأوروبية والغربية وجعلهم يعتقدون أنه لا يوجد طرق قانونية تمنع مواطنيها من العودة إلى بلدانهم.

في نفس الأسبوع الذي صدر فيه قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أعادت بريطانيا بهدوء امرأة وطفلها من نفس المخيم (ولم تكن ” شميمة بيغوم ” والتي تعتبر أبرز المعتقلات البريطانيات، والتي لديها حاليا قضية أمام محكمة هجرة خاصة لإلغاء قرار مثير للجدل بتجريدها من جنسيتها، مما يجعلها عديمة الجنسية).

ولكن جاء التغيير الأكبر من أستراليا، فبعد أن رفضت إعادة أي مواطن منذ عام 2019، قامت بإعادة 17 مواطنا في نهاية شهر أكتوبر،  وخلق القرار عاصفة إعلامية، حتى العائلات في أستراليا سمعت القرار عبر وسائل الإعلام، بفضل السرية التامة. ومع ذلك، قد تكون الحكومة الأسترالية على وشك اتخاذ خطوات أبعد من ذلك، حيث أشارت تقارير إعلامية إلى أن ما يصل إلى 60 أستراليا قد يعودون إلى ديارهم قبل نهاية العام، وبالنظر إلى أن تقارير وسائل الإعلام التي قدرت في السابق عدد الأستراليين في المخيمات الكردية بـ 50 شخصا فقط، فقد يعني ذلك أن الحكومة ستعيد جميع مواطنيها إلى وطنهم، وبسبب السرية، لم تشير الحكومة ما إذا كان قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عنصرا مؤثرا في تلك الخطورة أم لا.

ومع ذلك، وعلى الرغم من كل الحجج القانونية والسياسية حول إعادة المواطنين الغربيين إلى أوطانهم، فإن الجزء الأصعب لم يأت بعد. حيث كانت قضية إعادة النساء والأطفال من مخيمات داعش دائما مثيرة للجدل، لكنها كانت النصف الأسهل من المشكلة، لسبب واحد، وهو أنه من الواضح أنهم لا يستطيعون البقاء، فليس من مهمة السلطات السورية أو الكردية رعاية المواطنين المجرمين الغربيين.

وعلاوة على ذلك، فإن الأدوات اللازمة للتعامل مع تلك القضية متوفرة، ففي هذا الشهر فقط، حكم على امرأة أمريكية من كانساس قادت لواء داعش المكون بالكامل من النساء بالسجن لمدة 20 عاما، وكانت “أليسون فلوك إكرين” واحدة من 300 أمريكي وأمريكية مشتبه بهم قاتلوا في صفوف داعش، تمت إعادتها إلى الوطن وواجهت المحكمة، ويمكن تدبير تجارب مماثلة أو إصدار أحكام لفترات طويلة من المراقبة.

ولم يأت الاختبار الحقيقي بعد، لأنه بعد إعادة نساء وأطفال مقاتلي داعش إلى ديارهم، سيتحول الانتباه إلى المقاتلين أنفسهم، وسيكون هناك عاصفة سياسية صاخبة تصاحب كل رجل يعود إلى بلده وهو في سن القتال. وربما يكون السياسيون قد انتبهوا إلى قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وعجلوا بعودة بعض عرائس داعش السابقات، لكن كل سياسي غربي سيكون حريصا على تأخير اليوم الذي يتم فيه التعامل مع قضية أزواجهن إلى أقصى حد ممكن.

 

يكتب فيصل اليافعي حاليا كتابا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم الظهور على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية، وقد عمل في قنوات إخبارية مثل الجارديان وبي بي سي، ونشر تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.

تويتر: @FaisalAlYafai.