صناديق الثروة السيادية تحظى بفرصة لإعادة رأس المال المُخاطر وشركات التكنولوجيا إلى المسار الصحيح

جوزيف دانا

AFP photo: Scott Olson

رأس المال المُخاطر ليس بالفكرة الجديدة، ولكن لم تبرز فاعليته بشكل كبير إلا خلال العقود الثلاثة الماضية. فغالبًا ما تقوم شركات رأس المال المُخاطر بتمويل المنصات التكنولوجية والمُنتجات الأكثر ابتكارًا في الآونة الأخيرة. وشهد رأس المال المُخاطر صُعودًا كبيرًا لدرجة دفعت البعض إلى القول إن شركات رأس المال المُخاطر هي أساسًا الجهات الجديدة التي تضع الخُطط المركزية. ورغم ذلك؛ فعلى النقيض من الحكومات، لا تعمل شركات رأس المال المُخاطر للمصلحة العامة فضلاً عن أنها غير مُضطرة لكتابة تقارير إلى أي أحد باستثناء المساهمين في تلك الشركات والمُستثمرين. ونتيجة لذلك، ظهرت بعض الثغرات الهائلة؛ ومن ثمَّ فقد حان وقت إصلاح هذا القطاع.

لكن كيف؟، بل هل يمكن حتى تنظيم–وهو المقصود بكلمة «إصلاح»– قِطاع يعمل في كثير من الأحيان خارج نِطاق السُلطات القضائية بالدولة؟ في الواقع أن قطاع رأس المال المُخاطر يكتسب فاعليته عادةً من قدرته على العمل بسلاسة عبر كافة الحدود والقطاعات والمفاهيم القديمة لبروتوكولات الاستثمار. ومن ثمَّ؛ فهناك تهديد بالغ الجدية بإصلاح قطاع رأس المال المُخاطر– هذا في حالة تمكنت من وضع خطة لهذا الإصلاح أساسًا. وتكمن الإجابة تكمن في الاستفادة من الحِسابات المُعقَّدَة للمخاطرة والمكاسب المالية دون إغفال التركيز المعنوي، وهو ما يوجد في صناديق الثروة السيادية.

لكن لنبدأ بالمصاعب أولًا. ففي مقال دقيق نشرته مجلة نيويوركر في نوفمبر الماضي، نشر الصحفي تشارلز دويج مُخطَّطًا بيانيًا يشير إلى ارتفاع مُؤشرات رأس المال المُخاطر وكشف النقاب عن بعض الحقائق المزعجة. وأشار الصحفي إلى الصعود والهبوط المُذهلَين لشركة «وي ورك»، التي توفر للشركات الناشئة مساحات للعمل المشترك، وذلك لإلقاء الضوء على التحديات المُحيطة برأس المال المُخاطر.

ونظرًا لأن شركات رأس المال المُخاطر تعمل عادةً في الظل؛ فقد تجنَّبت بشكل كبير ردود الفعل الغاضبة على المُستوى العام إزاء السلوك المتهور لتلك الشركات. بدأ تشارلز دويج المقالة بالاقتباس من حديث المدير التنفيذي لإحدى الشركات المُنافسة لشركة «وي ورك»، والتي توقفت عن العمل بشكل أساسي نتيجة التدفُق الواضح وغير المحدود لرأس المال المُخاطر إلى الشركة المُنافسة لها، “تبدو شركات رأس المال المُخاطر، كأولئك الأشخاص الهادئين والمُملين الذين يجيدون الحسابات ويشجعونك على أن ترفع سقف طموحاتك وأن تمتلك طائرات خاصة. هل تعلم من بخلاف هؤلاء يتمتع بالهدوء ويجيد الحسابات ويمتلك طائرات خاصة؟ إنهم عصابات تهريب المخدرات”.

تعُد شركة «وي ورك» مثالًا واضِحًا على خطورة فشل رأس المال المُخاطر إذا خرج عن السيطرة. وعلى الرغم من السلوك المُغامر الذي اتخذته الشركة، إلا أن شركات رأس المال المُخاطر استمرت في ضخ الأموال لتلك الشركة. وحافظ المُمولون الأساسيون لرأس المال المُخاطر على هدوئهم بينما تُشارك شركة «وي ورك» في استراتيجيات عمل مُريبة وتُقحم نفسها في صعوبات جسيمة. فلماذا أفلتت هذه العوامل من التدقيق فيما يتعلق بهذا الأمر؟

وتكمن الإجابة في حقيقة أن شركات رأس المال المُخاطر وشركات التكنولوجيا قد وضعوا قواعدهم الخاصة بهم إلى حد كبير. حيث تعرَّض المُديرون التنفيذيون ومُؤسسو شركات التكنولوجيا، بدايةً من مارك زوكربيرج مؤسس فيسبوك إلى ترافيس كالانيك المدير التنفيذي لشركة أوبر، للانتقاد (وهو أمر صحيح) بسبب قراراتهم المريبة المُتعلقة بالعمل والصلاحيات المُطلقة الممنوحة لهم. كما أن شركات رأس المال المُخاطر كانت مُتواطئة في أمر التمكين من تلك الصلاحيات.

وعلى أي حال فإن انتقاد شركات رأس المال المُخاطر لا يهدف إلى تقويض القدرة الهائلة لرأس المال المُخاطر على دفع عجلة الابتكار، بل يهدف إلى مواجهة المُعوقات الأساسية التي تحول دون إمكانية تحقيق مزيد من النجاح؛ وذلك تجنُبًا لفشل نموذج رأس المال المُخاطر. وتتسم النُقطة الأخيرة تحديدًا بأهمية بالغة، لأنها من العناصر الجوهرية لتطوير الاقتصاد الحديث القائم على التكنولوجيا.

يمتلك عددٌ من الحكومات على مستوى العالم صناديق ثروة سيادية تقوم بدور مُشابه لما تقوم به شركات رأس المال المُخاطر، وهنا سُرعان يتبادر إلى الذهن شركة «تماسيك القابضة» في سنغافورة وشركة «مبادلة» في أبو ظبي. وعلى غرار شركات رأس المال المُخاطر، تقوم تلك الصناديق باستثمارات استراتيجية في القطاعات الناشئة وتشارك في اتخاذ القرارات على مستوى مجالس الإدارات. تهدف تلك الصناديق إلى المُشاركة في التطور التكنولوجي للشركات الناشئة من البداية.

ولكن خِلافًا لشركات رأس المال المُخاطر، تعتمد العديد من استثمارات صناديق الثروة السيادية على بناء صناعات جديدة داخل بلادهم، وتوفر وظائف جديدة لمواطنيها. وفي هذا الصدَّد، تُولي الصناديق السيادية اهتمامًا أكبر –ومعنويًا– لضمان استثمار أموالها بأمان في شركات غير مُعرَّضة للانهيار. وبالتالي، فزيادة مُشاركة صناديق الثروة السيادية في تمويل رأس المال المُخاطر سيُشجِّع الشركاء من المستثمرين، مثل شركات رأس المال المُخاطر، على تغيير طريقة تعاملهم مع الشركات التي يستثمرون بها.

فيما عدا ذلك، تمتلك صناديق الاستثمار السيادية بدورها حصصًا في شركات رأس المال المُخاطر. على سبيل المثال؛ يمتلك صندوق الاستثمارات العامة في المملكة العربية السعودية حصة في «صندوق رؤية سوفت بنك»، وهو نفس ما تقوم به تمامًا شركة «مبادلة» في أبو ظبي. وتُشير بعض التقارير إلى إجراء شركة “«خازنة» الماليزية القابضة لبعض المُحادثات العام الماضي بشأن ضخ بعض الأموال في «صندوق رؤية». وقد يُؤدي ترسيخ مشاركة صناديق الثروة السيادية في شركات رأس المال المُخاطر تُؤدي إلى تغيير أسلوب عمل تلك الشركات، وهذا بدوره قد يحول دون تكرار تجربة شركة «وي وورك» والتي تم استثمار سوفت بنك فيها.

تجدر الإشارة إلى أنه بغضّ النظر عن الكارثة التي حلّت بشركة «وي وورك»، فقد حقَّقَت مجموعة سوفت بنك أرباحًا ضخمة من الاكتتاب العام الأولي لشركة «دور داش» في مطلع ديسمبر. وفي نفس الوقت، تستعد شركة سيكويا كابيتال، وهي واحدة من أكبر شركات رأس المال المُخاطر في منطقة وادي السيليكون بالولايات المتحدة، لتحقيق أرباح تبلغ 11 ضعفًا خلال العام الحالي، وذلك بفضل العديد من الرهانات المُبكرة التي قامت بها على شركات التكنولوجيا، والتي كان لها دور أساسي في الاتجاه السائد للعمل عن بُعد الذي بات أساسيًا بسبب جائحة كورونا (كوفيد-19).

ولكن ينبغي التحذير، كما ذكرنا سلفًا، من أن يعمل القطاع التكنولوجي وفقًا لقواعده الخاصة، وقد يكون من الصعب على هذا القِطاع أن يتخلى عن عادته. بمراجعة الدعاوى القضائية البارزة المرفوعة ضد شركة فيسبوك في الولايات المتحدة خلال هذا الشهر، ستجد أن تلك الدعاوى القضائية تزعم أن شركة فيسبوك اشترت المنافسين، «وسحقَّت المنافسة بشكل غير قانوني». وتكمن المشكلة الوحيدة في أن النموذج التنظيمي الذي تعمل به فيسبوك يعتمد على مفاهيم القرن العشرين المُتعلقة بالاحتكار ومُكافحة الاحتكار، مما يسلط الضوء على المشكلة الأعمق والمُتمثلة في عدم فهمنا لكيفية عمل القطاع التكنولوجي– ونعجز بالتالي عن إدراك مدى صعوبة التأثير على السلوك لدفعه نحو الأفضل.

ومع ذلك تحظى صناديق الثروة السيادية بفرصة لمُخالفة القواعد في كل من القطاع التكنولوجي وشركات رأس المال المُخاطر، مع إمكانياتها المالية الكبيرة التي تدعم مصالحها. لذا، حان الوقت لرؤية الدول المُتطلعة للمُستقبل وهي تبدأ أولى خطواتها لابتكار نموذجها (المُثير للاضطراب) إيذانًا لاتخاذ مكانتها في سوق العمل.

يُقيم جوزيف دانا بين جنوب أفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثيرها على الصعيد العالمي.