جنوب أفريقيا أثبتت كيف يمكن للطاقة الرخيصة المتجددة تحويل العلاقة بين المدن والحكومات المحلية

جوزيف دانا

AFP photo: Gianluigi Guercia

باتت الحكومة المحلية بجنوب أفريقيا تكافح بشدة لمواجهة جائحة كورونا (كوفيد-19)، وقد دفع هذا الأمر بقادة الأقاليم إلى وضع خطط خاصة بهم، ومن ثم فقد أسفرت الجائحة عن تعميق الانقسامات التي شهدتها الأمة، حيث أدت تلك الخلافات إلى ظهور مخاوف جديدة تتعلّق بانهيار البلاد، واليوم فإن تلك المخاوف أصبحت تتركّز حول قضية محتملة ضارة تتعلّق بالتفكك القومي، وعلى الرغم من الإخفاقات التي وقعت فيها تبقى الحكومة المركزية مؤسسة ضرورية من أجل تنسيق مجهودات مواجهة الجائحة، وعوضًا عن ذلك فإن ما يهدد بتفكك الدولة بشكل حقيقي هو عدم كفاءة شبكة الكهرباء، تلك التي ترتكز عليها جميع مقومات الحياة العصرية.

وبسبب أعوام من سوء الإدارة والفساد شهدتها البلاد بسبب المؤسسة الوطنية لكهرباء جنوب أفريقيا (إسكوم)؛ فإنها تواجه اليوم أزمة هائلة، فتلك المؤسسة تدير مجموعة كبيرة من محطات الكهرباء التي تعمل بالفحم والتي عفا عليها الزمن، تلك المحطات التي لن تشهد أعمال صيانة مُناسِبة جراء نقص التمويل وسوء الإدارة، وتمثّلت النتيجة في انقطاع الكهرباء بشكل متكرر، وتبلغ إجمالي الطاقة الكهربائية التي تنتجها شركة إسكوم 44 ألف ميجاوات، لكن من المتوقع أن تخسر الشركة 16 ألف ميجاوات من طاقة إنتاج الكهرباء على مدار الشهرين القادمين.

ولن نكون مبالغين إذا ما وصفنا الموقف بالانهيار، فقد عانت البلاد على مدار 12 عامًا من انقطاع الكهرباء، ووفقًا لتقرير صادر عن مركز جنوب إفريقيا للبحوث العلمية والصناعية؛ فإن العام 2019 كان بمثابة أسوأ الأعوام وكلّف الاقتصاد 3 – 8 مليار دولار، وبلغت الخسائر الإجمالية بسبب سوء الإدارة على مدار 10 سنوات ما يقارب 22 مليار دولار في صورة خسائر اقتصادية، والأمر ببساطة يتمثّل في أن أزمة إمدادات الطاقة دفعت بالقطاع الصناعي في جنوب أفريقيا إلى الانهيار، كما أدّت إلى صعوبات باتت تواجه التخطيط التنموي مستقبلًا.

ومع غياب خطة قابلة للتطبيق تقدمها الحكومة لإصلاح شركة إسكوم؛ أو توافر الإرادة السياسية لاقتلاع الفساد الذي يعُد السبب الرئيسي في تلك الأزمة؛ فقد لجأ حكام الأقاليم والمقاطعات إلى العمل على حل تلك المشكلة بأيديهم.

وقد عملت مدينة كيب تاون ثاني أكبر مدن البلاد والمقصد السياحي الرئيسي بها على البحث عن بدائل لشركة إسكوم على مدار سنوات، واليوم فإن الانخفاض المتسارع في تكلفة الطاقة المتجددة وفّر فرصة للمدينة من أجل التحرر من تلك المسألة، وأسفر هذا الأمر بدوره عن دخول البلاد في أزمة دستورية.

والواقع أن تكلفة الطاقة المتجددة المستمدة من الشمس وبطاريات التخزين انخفضت بشكل هائل على مدار السنوات العشر الماضية، ووفقًا لتقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة التابعة للأمم المتحدة؛ فإن تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية هبطت بنسبة 13% في العام 2019، حيث بلغت تلك التكلفة 6.8 سنتًا أمريكيًا لكل كيلو وات/ساعة، ومنذ العام 2010 هبطت تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة بنسبة ضخمة بلغت 82%، وعلى العكس فإن تكلفة إنتاج الكهرباء من محطات الفحم بلغت 3.2 سنتًا أمريكيًا لكل كيلو وات/ساعة، ومن ثم فإن الطاقة الشمسية باتت اليوم منافسًا للفحم، وبالنظر إلى عدم الوثوق في عملية إنتاج الكهرباء عبر الفحم التي تقوم بها شركة إسكوم؛ يمكن سد تلك الفجوة بشكل تام بالاستعانة بالمكاسب الاقتصادية الناجمة عن عدم انقطاع الكهرباء.

وسوف تتحسن الأمور، وبينما تستمر تكنولوجيا الطاقة الشمسية في التقدم فإن التكلفة سوف تستمر في الانخفاض بشكل ملحوظ، وبينما تتسم تكلفة تأسيس البنية التحتية للطاقة الشمسية بالارتفاع؛ فإن تلك الطاقة ستعمل على تسديد تلك التكلفة بمرور الوقت، ونظرا لان مدينة كيب تاون تعد مقصد سياحي عالمي؛ فإن العثور على شركاء لبناء شبكة محطات للطاقة المتجددة على سبيل الدوام سيكون أسهل من الاعتماد على شركة إسكوم للحصول على الطاقة وهو ما لن يتحقق.

ولكن تبقى هناك مشكلة واحدة: وهي أن الحكومة المركزية تعمل على إيقاف خطط المدينة.

في أغسطس من العام الماضي خسرت مدينة كيب تاون معركة دستورية حاسمة حول مجهودات المدينة لإنشاء بنية تحتية للكهرباء خاصة بها، ومن الجدير بالملاحظة أن مقاطعة الكاب الغربية التي تقع بها مدينة كيب تاون توجد بها حركة انفصالية صغيرة، تلك الحركة التي زادت شعبيتها بشكل ثابت على مدار السنوات القليلة الماضية، ويساور القلق بعض أعضاء الحكومة المحلية من أن محاولات كيب تاون للحصول على الكهرباء بشكل مستقل ستكون بمثابة خطوة في طريق الاستقلال، وتلك المخاوف لها أساس منطقي.

وقد سارت مدينة دوربان ثالث أكبر مدن جنوب أفريقيا على طريق كيب تاون، حيث تحاول تأسيس بنية تحتية خاصة بها لإنتاج الطاقة المتجددة، وفي ديسمبر الماضي أعلنت المدينة عن خطة مدتها 30 عامًا لإنهاء الاعتماد على شركة إسكوم واستبدال الأساليب التقليدية بالطاقة المتجددة للحصول على الكهرباء، وتلك الخطة بالإضافة إلى تماشيها مع اتفاقية باريس للمناخ فإنها ترمي إلى حصول المدينة على 40% من احتياجاتها من الطاقة عبر مصادر مختلفة عن محطات الوقود الحفري الخاصة بشركة إسكوم، وتهدف المدينة إلى الاعتماد بالكامل على الطاقة المتجددة بحلول العام 2050.

والواقع أنه هدف يتسم بالجرأة، لكن الواضح أن الحصول على الطاقة المتجددة الرخيصة سيعمل على تمكين المدن من السيطرة على شؤونها وقيادة المعركة ضد التغير المناخي بأساليب لا يمكن التنبؤ بها، وتلك النزعة سوف تتسارع مع التحسن المستمر في تكنولوجيا الطاقة المتجددة ورخص ثمنها، ويعيش أكثر من نصف سكان العالم في المدن، ومن المتوقع أن يزيد عدد سكان المدن خلال العقود القادمة.

وقد باتت بريتوريا أمام خيارين: الالتزام بالتخلي عن شركة إسكوم وإزالة البنية الخاصة بتلك الشركة، أو مواجهة أزمة وجودية، وتعُد جائحة كورونا بمثابة أزمة صحية طارئة لذا فقد بات نقص الكهرباء سببًا لأزمة في أجهزة التنفس، ويجب على قادة جنوب أفريقيا أن يكونوا يقظين حيال تلك الحقيقة.

يعيش جوزيف دانا بين جنوب أفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.