قتل ترامب للسليماني: هدية للمتطرفين الإيرانيين لعمل انتخابات مبكرة

فيصل اليافعي

AFP Photo: Handout/Iranian Presidency

قبل ستة أسابيع من الانتخابات البرلمانية الإيرانية، لم يكن المتشددين في طهران يحلمون بهدية من رئيس الولايات المتحدة، أفضل من الحادث الذي كان بمثابة صدمة ومفاجأة، ألا وهو قتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس.

والواقع أن مقتل سليماني، القائد العسكري الماكر، الذي تورّط في صراعات امتدت من أفغانستان إلى إسرائيل، أثار موجة متساوية من الحزن والاحتفال على مستوى الشرق الأوسط، وبالنسبة للمتشددين في إيران، فإن اغتيال سليماني قد أدّى لقدر مساو أيضًا من الحزن والفرح بين أوساط التيار المتشدد.

وبمقتل سليماني، أحد أبطال “حرب الدفاع المقدس” وهو الاسم الذي يطلقونه في إيران على الحرب العراقية الإيرانية التي جرت في الثمانينات من القرن الماضي، وأحد المؤمنين بنشر الثورة الإسلامية، كان مقتله بمثابة ضربة موجعة تلقتها إيران. لكن وقبل أسابيع فقط من الانتخابات البرلمانية، فإن تلك الضربة من الممكن أن تكون بمثابة هدية للمتشددين عبر إعطائهم الأغلبية في الهيئة التشريعية، ومن ثم تمهيد الطريق لمنحهم مكافأة ثمينة: وهي انتخاب أحد قادة التيار المتشدد كرئيس لإيران في غضون عام واحد. والواقع أن قرار اغتيال سليماني الذي أقدمت عليه واشنطن بتهور، سيكون له عواقب طويلة المدى تطال الساحة السياسية الإيرانية.

وحتى الأسبوع الماضي فقط كان المتشددون في إيران يعانون الهزيمة، فقد اندلعت احتجاجات في نوفمبر الماضي بسبب رفع أسعار الوقود، وما لبثت أن انتشرت لتشمل إيران بالكامل اعتراضًا على الحكومة، فيما وصفتها صحيفة نيويورك تايمز بأنها “من أكبر الاضطرابات السياسية الدموية التي شهدتها إيران منذ الثورة الإسلامية”. وقد صرّح وزير الداخلية الإيراني بأن مائتي ألف شخص شاركوا في تلك الاحتجاجات، التي تعرّضت للقمع بوحشية على يد عناصر الحرس الثوري الإيراني.

والحقيقة أن القمع الذي وجهت به تلك الاحتجاجات كان متوقعًا أن يأتي في مصلحة دعاة الإصلاح السياسي، من أجل الحصول على أصوات الناخبين في الاقتراع المقرر له فبراير القادم، وبدلًا من ذلك، فإن اغتيال سليماني أدى إلى إضعاف المعارضة بصورة شديدة، حتى بات منتقدي الحكومة يوصفون بأنهم عديمي الوطنية.

ويوم الاثنين، كان هناك مئات الآلاف وربما الملايين على مستوى إيران يشاركون في جنازة سليماني، قائد إحدى أكبر الوحدات بالحرس الثوري الإيراني. ولم يتخلّف أحد من الشخصيات الإيرانية البارزة عن إدانة مقتل سليماني، بما فيهم معارضي الحكومة الإيرانية. وبمقتل سليماني، فقد ترقّى الجنرال الراحل من مرتبة قائد أحد أفرع القوات المسلحة، حتى صار رمزًا للشعب الإيراني. وانقلبت الأمور بشكل لافت وصارت في صالح التيار المتشدد.

وتلك هي المرة الثانية في غضون عامين، التي يقوم فيها دونالد ترمب بمنح القوة للتيار المتشدد في إيران، وعبر انسحاب ترمب من الاتفاق النووي في العام 2018؛ فقد عزّز من موقف التيار المحافظ في إيران، هذا التيار الذي طالما دعا إلى انتهاج سياسة المواجهة مع المجتمع الدولي بدلًا من الحوار.

وكان هذا بمثابة الحد الفاصل في الانتخابات البرلمانية التي جرت في عام 2016 والانتخابات الرئاسية التي جرت في العام التالي، في ذلك الحين كان حسن روحاني يسعى لإعادة انتخابه رئيسًا للبلاد كأحد أقطاب التيار الإصلاحي، وكانت حجته أن الحوار والوصول إلى تسوية من الممكن أن يؤدي إلى إنهاء العقوبات ومن ثم تحسُن الاقتصاد الإيراني، وهذا الأمل ضمن للتيار الإصلاحي الفوز في الانتخابات البرلمانية للمرة الأولى منذ 10 سنوات.

وبينما تستعد إيران مجددًا للانتخابات البرلمانية المقرر لها منتصف فبراير، فإن الموقف بات مختلفًا بالكامل، فالمحافظون بما فيهم الأحزاب السياسية المدعومة من الحرس الثوري الإيراني سيكون لديهم رسالة واضحة، فضلًا عن صورة بطل قومي تعرّض للاغتيال، وتلك الأوراق سيكون باستطاعة المحافظين التلويح بها أمام جمهور الناخبين. والانتقام لمقتل سليماني سيكون في الواجهة والقلب من الحملة الانتخابية للتيار المحافظ، أما منهج الاسترضاء الذي يتبعه روحاني سوف يتعرّض لهجوم شديد.

والواقع أن ما كشف عنه الرئيس العراقي من أن سليماني كان في بغداد لمناقشة مسألة خفض التصعيد بين الرياض وطهران، سيؤدي فقط إلى تدعيم الرأي الذي يقول بأن الحوار مع المجتمع الدولي هو من قبيل العبث.

والحقيقة أن عاصفة الدعم الوطني التي انطلقت بمقتل سليماني لن تتلاشى بعد إجراء الانتخابات البرلمانية، لأن التيار المحافظ إذا ما فاز بالأغلبية سيعمل على ضمان استمرار تأجيج تلك الروح حتى موعد الانتخابات الرئاسية في عام 2021.

وسلطة البرلمان الإيراني على الرئاسة تعُد محدودة، لكن يمكن للبرلمان دعم الرئيس أو كبح جماحه خلال تنفيذ السياسات الخاصة به. وغالبًا ما يكون البرلمان ساحة للصراع بين فصائل مختلفة، منها المؤيد ومنها المعارض لسياسة الرئيس أو المرشد الأعلى. وخلال فترة حكم الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد كان الرئيس يفتقد الدعم البرلماني الذي يعطيه السلطة أمام المرشد الأعلى.

وحتى قبل حادث الاغتيال، فقد كان روحاني محط هجوم البرلمان الذي بدأ إجراءات عزل ثلاثة من وزراؤه، بل كانت هناك عريضة تهدف لعزل روحاني لكن لم تحصل على عدد كاف من المؤيدين للعزل، لكن بعد انتهاء الانتخابات القادمة، ربما يمكن جمع عدد كاف من أعضاء البرلمان للتوقيع على عريضة عزل روحاني، والواضح أن موقف كل من الرئيس الأمريكي ونظيره الإيراني متشابه في هذا الصدد.

وفي القلب من هذا السيناريو يأتي الحرس الثوري الإيراني الذي لم يخفي أبدًا كراهيته لروحاني، وأثناء الانتخابات الرئاسية السابقة، اتهم روحاني الحرس الثوري صراحة بمحاولة تخريب الاتفاق النووي، وبعدها وخلال عام 2017 أكّد المرشح الرئاسي “إبراهيم رئيسي” المدعوم من الحرس الثوري، أكّد مرارًا على أن حال المواطن الإيراني لم يتحسن بعد مرور عام على تنفيذ الاتفاق النووي الذي تم في عام 2016.

وتلك ستكون ذات الرسالة مجددًا في انتخابات 2021، وروحاني لن يكون مؤهلًا لخوض الانتخابات القادمة، لذا فإن الحفاظ على هذا الإرث سيقع على عاتق قائد آخر من التيار الإصلاحي يتقدم لخوض انتخابات الرئاسة، وهو أمر بالغ الصعوبة في الوقت الحالي.

وإذا ما كانت حجة “رئيسي” في عام 2017 تتمثل في أن الاتفاق النووي لم يؤدي إلى تحسين أوضاع الإيرانيين، لنا أن نتخيّل مدى قوة تلك الحجة في عام 2021. وحتى لو لم تتدهور العلاقات أكثر من ذلك، وهو ما يعُد من غير المتوقع حاليًا، سيصبح الطريق مفتوحًا أمام هواة الحرب من حزب الله اللبناني إلى الميليشيات العراقية مما سيكون بمثابة ضغط على القيادة الإيرانية. وسيصبح التيار المحافظ قادرًا على كشف مواطن الفشل لدى روحاني: العلاقات مع أوروبا والدول العربية في أضعف حالاتها، والاقتصاد الإيراني أنهكته العقوبات، ومعنى هذا أن سياسات روحاني باتت غير ذي قيمة.

والواقع أن مقتل سليماني لم يسفر فقط عن إيقاظ هؤلاء المتعطشون للمواجهة، بل أنه قدّم الدعم لهم ربما لسنوات قادمة، وحين يقوم التيار المتشدد بمواجهة الناخبين الشهر القادم؛ سيحمل معه هدية حصل عليها من البيت الأبيض، وقبل شهر من الانتخابات الحاسمة فإن دونالد ترمب يقدم بطلًا للتيار المتشدد، ألا وهو الجنرال الراحل.

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان وبي بي سيوعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.