بعد سبعين عاما مضت، لم يتم بعد كتابة تاريخ النكبة

فيصل اليافعي

يوم الثلاثاء القادم، الموافق 15 مايو، سيحتفل الفلسطينيون في جميع أنحاء العالم بواحد من أهم التواريخ في تاريخهم الثقافي: النكبة، إحياء ذكرى تهجير وطرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم في عام 1948. أصبحت ذكرى النكبة، وهي المعنى المرادف باللغة العربية ” للكارثة” إحياء للذكرى السنوية ﻟﻸﺣﺪاث المزلزلة اﻟﺘﻲ ﻏﻴﺮت مسار اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﺔ.

لقد كانت النكبة وما زالت بمثابة الجرح الغائر والصدمة الحقيقية والجماعية للفلسطينيين. وعلى مر السنين، أصبحت النكبة تحمل بين معانيها ثمة الكثير فهي، رمز، ذكرى، صرخة حاشدة. وكغيرها مثل العديد من أحداث التذكر الرمزية، فهي موجودة بطرق متعددة في نفس الوقت. لقد كانت النكبة حدثًا، أو سلسلة من الأحداث، في مرحلة معينة من التاريخ. وقد باتت اختزالاً لتجربة العيش للفلسطينيين -في فلسطين، وفي إسرائيل وفي الشتات. لقد كانت بمثابة حدثاً سياسياً، ولا تزال العدالة لها منشودة، وحدثاً اقتصادياً، لأن أرض وممتلكات الفلسطينيين لم تُعاد إليهم بعد.

لقد أصبحت أيضاً ذاكرة جماعية، تم تجميعها معاً لأول مرة من ذكريات أولئك الذين كانوا هنالك والذين تذكروا أولئك الذين كانوا هناك، ولكنهم صاروا أعظم من ذلك، وأصبحوا يمثلون رمزاً لما يعنيه أن يكون الفلسطيني في وقت عندما لم يعد يعيش معظم الفلسطينيين في فلسطين.

غير أن النكبة كانت أكثر من ذلك. لقد كانت بداية مرحلة جديدة في تاريخ الشعب الفلسطيني. نكبة 1948 هي في الحقيقة بمثابة القصة التأسيسية للشعب الفلسطيني الحديث، لقد باتت اللحظة التي تغيرت فيها حياتهم السابقة في أراضي أجدادهم إلى وجود وشتات جديد. حيث وصفها المؤرخ الفلسطيني نور مصالحة بأنها بمثابة “تمزق” في المكان والزمان وفي تاريخ الفلسطينيين.

بالنسبة للفلسطينيين في عام 1948 وأحفادهم، كانت النكبة بالفعل بمثابة “كارثة”. ولكن بالنسبة للذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني، لأولئك الذين جاءوا لاحقاً، لأولئك الذين يسعون إلى وجود معنى سياسي وثقافي بهويتهم، إذ كانت أقرب إلى التمزق، الانشقاق والانقسام في التاريخ الذي اتجه بالقصة الفلسطينية نحو مسار جديد.

وقد كانت المأساة أنها اصطدمت في نفس الوقت بقصة تأسيسية مختلفة للمجتمعات اليهودية التي أسست إسرائيل.

لقد تم الاحتفال بذكرى النكبة يوم 15 مايو، بعد يوم من احتفال إسرائيل بيوم استقلالها. ولكن لأن إسرائيل تستخدم التقويم العبري لهذا اليوم، فإن التاريخ المحدد يتغير، لذلك تم الاحتفال باستقلال إسرائيل هذا العام في أبريل، أي قبل شهر من ذكرى النكبة.

ومع ذلك، فبالنسبة إلى كافة المقاصد والأهداف، فإن الحدثين هما بمثابة حدث واحد، يُرى من منظورين. وبالنسبة للفلسطينيين، لا يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر.

فطوال سبعة عقود، تنافست هاتان القضيتان، في السياسة، في الثقافة، في التاريخ. قصة كيف تأسست إسرائيل وكيف حدثت النكبة هما تاريخان متنافسان، متعارضان في بعض الأحيان، مستمدان من نفس مجموعة الأحداث -قصيدتين مكتوبتان بنفس الحبر، كما وصفها شاعر فلسطيني من قبل.

إن فهم التاريخ، بطبيعة الحال، يجري في حالة تغير مستمر وتاريخ معقد ومغمور بالدم، وذو تأثير مهم على السياسة العالمية، وحتى العلاقة بين الجماعات الدينية مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من المرجح دائمًا أن تكون متنازعة على نحو مرير.. لكن المرير يتمخض في أحداث عام 1948 حتى أن الحقائق الأساسية لما حدث قد تم تسييسها بشكل لا يمكن الاعتراف به. وقد بدأ المؤرخون الفلسطينيون والعرب على الفور في تسجيل ما حدث بعد عام 1948، ولكن فقط من الجانب الفلسطيني. ونادرا ما يتم النظر في دوافع الجانب الإسرائيلي، أو تعتبر ذات بعد واحد فقط.

بالنسبة لإسرائيل، فدائما ما كان ينظر الى ما حدث في السنوات السابقة وخلال وبعد عام 1948 من خلال عدسة سياسية ووطنية. ولم يُسمح بنشر أي شيء يمكن أن يتناقض مع الرواية الرسمية للأحداث، وكان المؤرِّخون داخل البلاد يتبعون عموماً هذه الوصفة، وفي بعض الأحيان مدفوعين بوطنيتهم ​​، وفي بعض الأحيان بسبب عدم الوصول إلى الوثائق الرئيسية. لقد استغرق المؤرخون الإسرائيليون حتى الثمانينيات من القرن العشرين لإجراء ما فعله المؤرخون العرب منذ فترة طويلة ونقد أعمال البلد في حرب عام 1948 والاستعلام عن أساطير تلك الفترة.

ولا تزال هذه العملية مستمرة. وحتى يومنا هذا، لا يوجد إجماع واضح على ما حدث في عام 1948. وسيستمر ذلك الصراع، حتى تكون هنالك دولة فلسطينية.

إن للذاكرة الجماعية إنسان غير عادي، بشكل فريد، يحدث الفوضى بها. فعادة، وإن لم يكن دائما، ما تتطلب الذاكرة الجماعية وجود جهاز دولة لتخلديها. حيث توفر طقوس ومؤسسات الدولة بنية للذاكرة الجماعية وتسمح لها بالاستمرار في شكل ثابت.

وبالنسبة للفلسطينيين، فمن دون قيام دولة، لا يمكن للذاكرة الجماعية أن تحيا في أي مكان ولكن في أرض فلسطين التاريخية -وبعبارة أخرى، في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل اليوم. ولكن عندما تكون هنالك دولة حقيقية للفلسطينيين، فربما يتسنى لهذه الدولة أن تتولى عملية إضفاء الطابع المؤسسي على الذاكرة الجماعية. عند هذه النقطة، ستتوقف الأساطير التأسيسية عن التنافس على قطعة الأرض نفسها وتبدأ في امتلاك تجربة مستقلة عن الأخرى.

وفي هذا يكمن السبب أنه من مصلحة الفلسطينيين والإسرائيليين أن تكون هناك دولة فلسطينية: لأنه الى حين حدوث ذلك، سيحاول الجانبان بناء هويتهما الوطنية على نفس قطعة الأرض. وستبقى دائما ذاكرتهما الجماعية في غمار المنافسة والصراع. فعلى مدار 70 عاما، كان كذلك هذا هو الحال. وبمجرد أن يكون لكل شعب منهما وطنه الخاص به، سيكون بمقدورهما أيضًا تكوين ذكريات خاصة لكل منهما.

AFP PHOTO/MARINA PASSOS