الانتكاسة في العلاقات الإسرائيلية الأردنية: فهل هي إشارة إلى تدهور أكثر خطورة؟

الين ليبسون

AFP Photo: Jordanian Royal Palace/ Yousef Allan

تلقت معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن لعام 1994 ضربة قوية هذا الشهر، وذلك عندما أعلن العاهل الأردني الملك “عبد الله” عن إنهاء عقد الإيجار المبرم بين والده، الملك الراحل “حسين”، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل، إسحاق رابين، والذي كان يسمح للمزارعين والسياح الإسرائيليين بالدخول إلى منطقتين صغيرتين من الأراضي ذات السيادة الأردنية. ومن الأهمية بمكان عدم المبالغة في أهمية القرار الأردني، رغم أهميته الرمزية في أنه يكشف الكثير عن التآكل التدريجي في مستوى الثقة والتفاؤل في العلاقات بين البلدين.

وكان هذان الشخصان البارزان، وهما من وقعا معاهدة السلام في حديقة البيت الأبيض في عام 1994، من المسؤولية بمكان بحيث يمكنهم اتخاذ أي إجراءات خاصة بخصوص التشتت البسيط نسبياً والذي يعاني منه بعض المواطنين الإسرائيليين بسبب معاهدة السلام. وكان استئجار قطعتين من الأراضي الأردنية إلى إسرائيل – المنطقة الشمالية وهي منطقة “نهاراييم” بالعبرية، و”الباقورة” باللغة العربية، والقطعة الجنوبية تسوفار / الغمر – كانت بادرة كرم من الجانب الأردني، ومكنت الإسرائيليين الذين يمتلكون أرضًا في كلتا المنتطقتين أو يعملون فيها بالدخول إليها دون اتباع الإجراءات الرسمية الحدودية لدخول الأردن.

واليوم، تُحاط المنطقتان بحواجز ذات أقفال كبيرة، وسيحتاج بضع العشرات من المزارعين الإسرائيليين المالكين للأراضي إلى العبور إلى الأردن عبر نقاط مراقبة حدودية محددة للوصول إلى أراضيهم. وفقًا لبعض الروايات الصحفية، فإن الحكومة الإسرائيلية لم تتواصل بعد مع الأطراف المتضررة، ربما على أمل أن يتراجع الملك عن قراره في اللحظة الأخيرة، لتجنب التداعيات السياسية لهذه الخطوة. لكن الملك قد أصدر قراره عندما زار منطقة “الباقورة” يوم الاثنين، قائلاً: “إن السيادة الأردنية على أرضها هي فوق كل اعتبار”.

وعلمت إسرائيل بالقرار الأردني منذ عامٍ مضى، امتثالاً لأحكام المعاهدة، ولذلك لم يكن القرار الأردني مفاجأة لإسرائيل. وبدلاً من ذلك، ربما افترض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والذي وصُفت علاقته بنظيره الأردني بأنها “علاقة متوترة بلا صداقة”، أن واشنطن أو غيرها من شركاء الأردن المقربين سيحث الملك بلطف على الحفاظ على الاتفاقية المتواضعة والرمزية. وكان ذهن نتنياهو زاخرًا بأمورٍ أخرى، ذلك أن مستقبله السياسي بات محل شك، بسبب النتائج غير الحاسمة التي حققها خلال دورتين انتخابيتين، والقضايا المرفوعة ضده بتهمة الفساد. وربما أن “نتنياهو” كان لا يكترث بهذه المشكلة. من الممكن أن يقدم المزارعون المتضررون التماسًا إلى حكومتهم للحصول على تعويض أو إعانات مالية بسبب الاضطرابات؛ وكان الأردن قد عرض شراء أراضي المزارعين، لكن إسرائيل رفضت. وسمحت الأردن للمزارعين بحصد زرعهم، لكن العقبات الجديدة مازالت سارية.

والمغزى الأكبر لهذا الحدث واضح، وهو أن ثمة سلام بارد بين إسرائيل والأردن، وبات الآن أكثر برودة. وخلال عدة سنوات مضت، شهدت العلاقة بين الطرفين سيل من حوادث العنف الصغيرة نسبيًا – من حيث إطلاق النار على الطلاب الإسرائيليين، ومقتل اثنين من الأردنيين بالقرب من السفارة الإسرائيلية في عمان على يد الحراسة الإسرائيلية، وغيرها من الحوادث. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك سلسلة من الانتكاسات غير المميتة، مثل تعليق المشروعات المهمة حول التعاون في مجال المياه، وتباطؤ العلاقات التجارية ذات النفع على البلدين، وتلاشي اهتمام الجانبين بالتبادلات الثقافية والزيارات السياحية والاجتماعات الرسمية.

ومن الأهمية بمكان الالتفات إلى أنه على عكس مصر، والتي حلت جميع قضاياها الإقليمية مع إسرائيل في معاهدة السلام لعام 1981، كان ثمة طرفًا ثالثًا حاضرًا اسمًا فقط في المفاوضات الأردنية مع إسرائيل: إنهم الفلسطينيون. ويعتقد الأردن أن تخليه عن أي مطالب تتعلق بالضفة الغربية في عام 1989 كان شرطا مسبقا لإبرام اتفاق إسرائيلي فلسطيني من شأنه أن يؤدي إلى قيام دولة فلسطين مستقلة. لذا، فإن واقع التسوية الثنائية مع إسرائيل، في غياب أي تقدم بشأن آخر قطعة من الأحجية، جعل الأردن أقل فرحًا وراحة بهذه الاتفاقية.

واستمرت إسرائيل في الابتعاد عن روح اتفاقية 1994 من خلال تلميحات جديدة بأنها ستعزز سيادتها على غور الأردن، كما فعلت تجاه القدس الشرقية ومرتفعات الجولان على مر السنين. إن الإصرار على استرداد السيادة الأردنية الكاملة على تلك الجيوب على طول وادي الأردن يمكن اعتباره تحذيرًا صغيرًا بشأن أي تحركات أكثر شمولية من جانب إسرائيل فيما يتعلق بالأرض التي كان من المفترض، في تصور الأردن، أن تكون جزءًا من تسوية تفاوضية مع الفلسطينيين، وتخضع لحماية إسرائيلية صارمة.

وبالنسبة لإسرائيل، بدأت خيبة أملها من السلام الفاتر، بل والبارد، مع مصر والأردن، في التلاشي بسبب الاستمرار في تحسين علاقتها مع الدول العربية الأخرى. وتمكنت إسرائيل من تطوير شراكات أمنية مهمة مع دول الخليج الرئيسية، مدفوعة إلى حد كبير بالمخاوف المشتركة بينها بسبب أنشطة إيران النووية. وستزداد هذه العلاقات قوة في ظل تحد إيران لأحكام الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015. وقد نشأت تلك الانتكاسة الإقليمية الأخرى بقرار الولايات المتحدة الأمريكية بالانسحاب من الاتفاق النووي، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية غائبة بشكل ملحوظ عن أي تحركات للحفاظ على صيغة معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن لعام 1994 وروحها.

إلين لايبسون، مديرة برنامج الأمن الدولي في كلية سكار للعلوم السياسية والحكومية بجامعة جورج ميسن في ولاية فرجينيا، ورئيس سابق ومدير تنفيذي لمركز ستيمسون في واشنطن. وقبل هذه الفترة، عملت “لايبسون” لمدة خمسة وعشرون عاما كموظفة حكومية.