انجاز الاتفاق البحري بين لبنان وإسرائيل

حسين عبد الحسين

Image courtesy of Jalaa Marey / AFP

كشف اتفاق الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل والذي تصدر العناوين الرئيسية هذا الأسبوع عن العديد من أسماء الفائزين والخاسرين، ويعد تحديد هويتهم مسألة مختلفة.

وأعلن القادة في كل بلد أن النصر كان حليفهم بعد أن كشف الرئيس الأمريكي جو بايدن النقاب عن الاتفاق، في حين اتهمت جماعات المعارضة من كلا الجانبين حكوماتها بالتنازل عن ثروات البلد. وهناك أيضا أسئلة حول الاتفاق نفسه وما إذا كان سينجو من العواصف السياسية القادمة.

لذا، قبل البدء في جمع النقاط، يجب علينا أولا تحديد ما كان وما زال على المحك.

كان النزاع الذي طال أمده حول حدود بحرية تخدم غرضين هما: الأمن وترسيم المناطق الاقتصادية الخاصة بالبلدين.

ومن الواضح أن إسرائيل فازت في الجانب الأمني، حيث ستحتفظ بالسيطرة على خط يبدأ على بعد خمس كيلومترات من الساحل ويمتد إلى أراض تعتبرها الحكومة اللبنانية ملكا لها، وحاول لبنان دفع هذا الخط جنوبا، لكن إسرائيل رفضت ذلك، خشية أن يمنح الامتداد اللبنانيين مساحة مباشرة في شمال إسرائيل.

أما الحصيلة المتعلقة بالجانب الاقتصادي فهي خليط من ذا وذاك.

فحتى أوائل عام 2000، وهو العام الذي بدأت إسرائيل ومصر في اكتشاف احتياطيات الغاز في مياههما الإقليمية، كان هناك القليل من النشاط الاقتصادي في شرق البحر الأبيض المتوسط. وبمجرد العثور على الغاز، بدأ لبنان في إجراء استكشافات زلزالية خاصة به، مما اشار إلى وجود احتياطيات من الغاز قابلة للاستثمار التجاري، وتم منح حقوق التنقيب عن أكثر المناطق اللبنانية الواعدة وهي 4 و 9 – لشركة النفط الفرنسية العملاقة توتال في عام 2018.

وحفرت توتال الحقل 4 قبالة ساحل بيروت في عام 2020، لكنها لم تجد شيء، وقالت توتال إنها لن تحفر الحقل رقم 9، الذي تتنازع إسرائيل على حدوده الجنوبية، دون موافقة من إسرائيل، وهو الأمر الذي يتطلب بدوره موافقة وجود حزب الله، منذ وقت ليس ببعيد، كان من غير الممكن تصور موافقة «حزب الله» على اتفاق مع إسرائيل، لكن وضع الاقتصاد اللبناني المتعثر أجبر الميليشيا الموالية لإيران على الموافقة على الاتفاق.

ولبنان هي دولة ريعية، حيث يستخدم الأوليغارشيون مواردها لتقديم الخدمات الاجتماعية لأعضاء أحزابهم، بما في ذلك الوظائف الحكومية والرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية. ومع إفلاس الدولة يجد ملايين اللبنانيين أنفسهم بدون غطاء اجتماعي، وقد بدأ البعض في الاعتماد على خدمات «حزب الله» التي وصلت أيضا إلى نقطة الانهيار.

على سبيل المثال، لم يتمكن مستشفى الرسول الأعظم وهو مرفق الرعاية الصحية الرئيسي لـ «حزب الله» في بيروت، من التعامل مع قائمة متزايدة من المرضى. وبالكاد يستطيع المستشفى إبقاء الأضواء مشتعلة، والأدوية في حالة نقص كبير لدرجة أن أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة، مثل مرض السكري، لديهم خيارات قليلة، فقد نفد عقار الأنسولين الذي يتم توفيره بأسعار معقولة في لبنان.

ومع انهيار لبنان تعرض «حزب الله» للمزيد من الضغوطات، حيث إن شيعة لبنان، الذين تستمد منهم الميليشيا الموالية لإيران دعمها، يعانون الأمرين، في حين أن الحزب وداعمه الفقير إيران لا يستطيعان فعل الكثير لتخفيف المعاناة.

وعلى أمل إنتاج الغاز للمساعدة في التخفيف من حدة الكارثة الاقتصادية في لبنان، وافق حزب الله على مضض لشركة توتال بحفر الحقل رقم 9.

ولكن قبل أن يظهر رئيس الحزب، حسن نصر الله، على شاشة التلفزيون الوطني عشية إعلان الصفقة للحديث عن الصفقة بكل مرارة، كان قد أرسل طائرتين بدون طيار إلى المجال الجوي الإسرائيلي في وقت سابق من الصيف، مستهدفا على ما يبدو حقل غاز كاريش الإسرائيلي. ويعتقد نصر الله أنه قد وجه إنذارا لإسرائيل: فهو سيضرب كاريش إذا بدأ الإنتاج الإسرائيلي قبل التوصل إلى اتفاق مع لبنان. وبعبارة أخرى، كان «حزب الله» يهدد إسرائيل بالحرب لعقد الاتفاق.

وكان الجميع، وخاصة إسرائيل، يعرفون أن حزب الله لا يستطيع جر لبنان إلى الحرب في وضعه الاقتصادي الحالي. ومع ذلك، اعتقد المسؤولون الإسرائيليون على الأرجح أنهم يستطيعون انتزاع بعض التنازلات من لبنان، مثل ترسيم الحدود بينهما، سواء في البر أو في البحر.

وأراد «حزب الله» التوصل إلى حل وسط، ولكن ليس حلا وسطا يعترف بإسرائيل ويرسم الحدود بطريقة تنهي جميع النزاعات الإقليمية بين الجانبين، وحزب الله على أي حال هو موجود لمحاربة إسرائيل، وعليه تم إقصاء خيار ترسيم الحدود على الأرض.

وحل محلها ترسيم الحدود البحرية والتي توقفت على بعد خمس كيلومترات من الشاطئ، تاركة معظم حقل قانا في بلوك 9 في أيدي اللبنانيين.

وإذا تم اكتشاف الغاز في قانا، سيحصل لبنان على 83 في المئة من إيراداته، في حين ستحصل إسرائيل على 17 في المائة، وفي سيناريوهات سابقة قدمتها الولايات المتحدة، منحت إسرائيل 45 في المئة من المساحة المتنازع عليها.

في حين أن التقييم الحقيقي لاحتياطيات حقل قانا يجب أن ينتظر حتى مراحل لاحقة من الاستكشاف، لكن تتوقع وزارة الطاقة الإسرائيلية أن الحقل يحوي ما قيمته 3 مليارات دولار فقط من الغاز. ومع وجود ديون خارجية بقيمة 68.9 مليار دولار، فإن إمكانات حقل قانا لن تحرز الكثير للاقتصاد اللبناني، وما لم يثبت قانا أنه حقل ضخم، أو ما لم يتم اكتشاف حقول أخرى فجأة، فإن ادعاء لبنان بالانتصار الاقتصادي في المحادثات البحرية على إسرائيل سيكون ادعاء باطل.

ولكن إذا وجد في حقل قانا احتياطيات كبيرة، أو إذا تم اكتشاف حقول أخرى تحتوي على كميات كبيرة من الغاز، فإن الخاسر هي إسرائيل بسبب قبولها للاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة.

علاوة على ذلك، يمكن أن تسمح الطبيعة المؤقتة للصفقة لإسرائيل بطلب إعادة النظر في الاتفاق، أو يمكن أن ينهار تماما. والاتفاق نفسه ليس معاهدة بين بلدين، بل هو وثيقة أمريكية وإيداع خرائط لدى الأمم المتحدة (وهو ثاني إيداع من نوعه منذ عام 2009). ولم يتم التصديق على تلك الخرائط، على الأقل ليس في لبنان، وصوتت الحكومة في إسرائيل لكن الكنيست لم يصوت، ويمكن عكس تصويت مجلس الوزراء الإسرائيلي من خلال تصويت مستقبلي على مجلس الوزراء.

وأخيرا، قد تنسحب إسرائيل من ذلك الاتفاق قبل أن يتضح حجم احتياطيات الغاز التي يمتلكها حقل قانا إذا أصبح زعيم المعارضة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو رئيسا للوزراء مرة أخرى في الأول من شهر نوفمبر، حيث وجه الاخير سهام النقد للاتفاق.

وبغض النظر عما سيحدث، فالشيء الوحيد المؤكد هو أن إعلان النصر، من قبل أي من الجانبين، كان خطوة سابقة لأوانها.

 

حسين عبد الحسين هو زميل باحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (أف دي دي)، وهو معهد أبحاث غير حزبي مقره العاصمة واشنطن ويركز على الأمن القومي والسياسة الخارجية.