حرب الشتاء الروسية جمدت السياسات الأوروبية

فيصل اليافعي

Image courtesy of Yuriy Dyachyshyn / AFP

كانت احتفالات عيد الميلاد في جميع أنحاء القارة الأوروبية أكثر هدوءً هذا العام مقارنة بالأعوام الماضية، وذلك بفضل الحرب في أوكرانيا، وسعت دول القارة العجوز إلى خفض استهلاكها للكهرباء وسط انقطاع إمدادات الغاز الروسية.

وأطفأت المتاجر الشهيرة في الشانزليزيه في باريس أنوارها وشارع أكسفورد في لندن كل مساء، وفي ألمانيا، سعت حملة حكومية إلى تقليل استهلاك الطاقة، وكان من الواضح أن الحرب في أقصى شرق أوروبا وصلت إلى الأسر الأوربية في الغرب.

ويعد حرب الطاقة جزءا من حرب الشتاء الروسية، حيث يأمل الكرملين أن تستنزف الأشهر الباردة الروح المعنوية للعالم الغربي ومن ثم شق الصف الأوروبي. وعلى مدى أشهر، تسببت الحرب في خسائر كبيرة في البلدان العربية والأفريقية، حيث عطل الصراع الإمدادات الغذائية العالمية ورفع أسعار المنتجات الأساسية بشكل مبالغ. لكن موسكو تأمل أن تكون حرب الشتاء سلاحها السري، حيث تقوم بتبريد الأوروبيين ليقوموا بمعارضة العقوبات التي تفرضها حكوماتهم، وتجميد الأوكرانيين لإخضاعهم لها من خلال السعي إلى تدمير البنية التحتية للطاقة في جميع أنحاء البلاد.

فهل ستنجح خطة التبريد؟  والجواب هو لا، ولكن ليس ذلك بفضل قوة العزيمة الأوروبية، بل لأنه لا يوجد حاليا ما يمكن للغربيين عمله لصالح أو ضد تلك الأحداث، ولا توجد خطة سلام ذات مصداقية على الطاولة، ولا خريطة طريق لكيفية بدء المفاوضات، لقد تجمدت السياسة الأوروبية، ولكي تنجح حرب الشتاء في روسيا، يجب أن تكون هناك، أولا، طريقة لموسكو لإنهاء تلك الحرب.

ومن المعروف جيدا أن الحرب وصلت إلى طريق مسدود عسكريا، وقد اعترف بذلك رئيس المخابرات العسكرية الأوكرانية الأسبوع الماضي، وبالكاد تحركت الخطوط الأمامية منذ أسابيع، وهو وضع يناسب موسكو. إن الافتقار إلى الزخم يسمح لروسيا بالتركيز على تدمير البنية التحتية للطاقة، ويستنزف الروح المعنوية الأوكرانية.

لكن الحرب وصلت إلى طريق مسدود سياسيا أيضا.

وهناك خطة سلام أقترحها الجانب الأوكراني، وأخذها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى واشنطن، وكان الرئيس الأمريكي حريصا على عدم تأييدها بصورة مباشرة.

وجزء من السبب في ذلك هو البند المركزي في الخطة، والذي يدعو إلى استعادة السيادة الإقليمية لأوكرانيا، وهو بند يعني منطقيا استعادة ليس فقط المناطق الأربع في الشرق والجنوب التي احتلتها روسيا، ولكن حتى أراضي القرم التي استولت عليها في عام 2014، ومن الصعب تخيل قبول روسيا لمثل هذا البند، وبالفعل رفضه الرئيس الروسي سيرجي لافروف فورا.

وفي الجانب الآخر فإن المطلب المبالغ فيها التي وضعها الكرملين، بأن تعترف أوكرانيا بالمناطق الأوكرانية الأربع المحتلة على أنها جزء من التراب الروسي، هي مطالب مستحيلة. ويبدو على أقل تقدير أن زعماء أوكرانيا سوف يحتاجون إلى بعض الضغط من العالم الخارجي حتى يتمكنوا من قبول أي شيء من هذا القبيل.

وذلك هو المأزق الحقيق، حيث يعتقد كلا الجانبين، إن لم يفوزا بالحرب الآن، فلديهما القدرة على الفوز، وبالنسبة لأوكرانيا، عززت رحلة زيلينسكي الأولى منذ بدء الغزو إلى الولايات المتحدة الشعور بأن القوة العظمى خلف أوكرانيا وستضمن انتصارا في ساحة المعركة.

وبالنسبة لروسيا، وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة في القوات والخسائر الإقليمية، فإن البلاد لديها إمكانات عسكرية هائلة ويمكنها تحمل صراع أطول بكثير وأكثر وحشية، وحتى العقوبات الغربية الواسعة النطاق تم تجاهلها، ويبدو أن اقتصاد البلاد قد تقلص بأقل من 3 في المائة منذ شهر فبراير، وهو مقدار أقل بكثير من الانكماش الذي يتراوح بين 10 و15 في المائة الذي كان متوقعا في بداية الغزو.

وفي الواقع، كلما طال أمد الحرب، كلما صعب التفاوض على أي اتفاق سياسي. ومن الواضح أن كييف تشعر بأن الكثير من الدماء قد أريقت بحيث لا يمكنها ببساطة تسليم الأراضي التي ضمتها نضير السلام، وبالنسبة لموسكو، سيكون من الصعب تبرير “العملية العسكرية” التي أودت بحياة عشرات الآلاف من الجنود على الأقل دون ابتلاع أراض كبيرة.

حتى أن القادة الأوروبيين فهموا أن إيجاد مخرج للأزمة أصبح أكثر صعوبة، ويتضح ذلك من قرارا محددا في واشنطن بالتنازل عن ادارة المفاوضات  من حيث الزمن والنطاق لكييف، وهو قرار جعل طرح المطالب المبالغ فيها أكثر سهولة.

وفي ظل غياب خيارات سياسية حقيقية على الطاولة، فلا يوجد شيء يمكن أن تنقسم حوله أوروبا، ومع عدم وجود مفاوضات ولا معايير محتملة، لا توجد خيارات سياسية للمناقشة. وهناك خيار واحد فقط وهو مناهضة الحرب، وكل شيء آخر مجمد، فلا عجب أن قادة أوروبا يبقون رؤوسهم منخفضة ويركزون على الاقتصاد مثل ريشي سوناك في المملكة المتحدة أو أولاف شولتس في ألمانيا، وهم في حالة انتظار لواشنطن لتقديم الحلول.

وفي المرات النادرة التي يظهر فيها خيار سياسي – مثل اقتراح إيمانويل ماكرون الشهر الماضي أنه يمكن تقديم “ضمانات أمنية” لروسيا لإنهاء الحرب، تم رفضه على الفور تقريبا من قبل الأوكرانيين أو الأوروبيين.

وإذا كانت الحرب المجمدة تفيد موسكو، فإن السياسة المجمدة لا تفيد أحدا، إن التغييرات الهائلة التي أحدثتها الحرب على التجارة والسياسة العالمية آخذة في التعمق، ويجري تشكيل تحالفات جديدة، وتقرر الشركات والدول من أوروبا إلى الخليج أين تخصص مليارات الدولارات من الاستثمارات، لقد شوهت الحرب الأسواق والسياسة العالمية ويمكن أن يصبح ذلك التشويه ثابت.

لا يشترط أن يأتي حل حرب روسيا في أوكرانيا من الجانب الروسي أو الأوكراني، لكن يجب أن يأتي من مكان ما، إن الحرب المجمدة هي في الحقيقة حرب بلا نهاية، ولا نعرف كيف سيكون عليه شكل العالم الذي نعيشه بعد أن ينقشع غبارها.

 

يقوم فيصل اليافعي حاليا بتأليف كتاب عن الشرق الأوسط وهو معلق دائم الظهور على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية، وقد عمل في منافذ إخبارية مثل الجارديان وبي بي سي، وقدم تقارير عن الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية، وآسيا وأفريقيا.

 تويتر: @FaisalAlYafai