الحرب الروسية تحول أنظارها صوب إفريقيا

فيصل اليافعي

Image courtesy of Eduardo Soteras / AFP

مع دخول الحرب في أوكرانيا شهرها السادس، وفي ظل غياب أي مؤشر على انتهاء الصراع خلال هذا العام، تحولت الحرب الدبلوماسية التي تسعى للظفر بقلوب وعقول الجماهير نحو القارة الأفريقية.

حيث قام وزير الخارجية الروسي بجولة في أربع دول أفريقية في نهاية الشهر الماضي، وفي أعقابه زار إيمانويل ماكرون الأسبوع الماضي ثلاث دول أفريقية. ومن المقرر أن يقوم مسؤولان أمريكيان خلال الأسابيع المقبلة مع وزير الخارجية الأمريكي بزيارة لثلاث دول أفريقية في وقت لاحق من شهر أغسطس، وكل تلك الزيارات هي عبارة عن حملة مديح وإطراء، ولكن لا أحد يعرف ما سبب كل ذلك المديح والإطراء.

وتبدوا الأسباب واضحة في الظاهر، حيث أراد لافروف أن يجتمع مع جامعة الدول العربية، لوضع الأساس لمحطة للطاقة النووية في مصر والتحضير لقمة روسية أفريقية قادمة في إثيوبيا، وكان الرئيس الفرنسي في غرب إفريقيا لرسم ملامح علاقة جديدة مع المستعمرات الفرنسية السابقة، ويريد أنتوني بلينكين “شركاء” لمعالجة تغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي.

لكن يأتي كل ذلك على خلفية الحرب في أوكرانيا، وعندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية، فإن أوكرانيا هي ساحة لحرب لا يجرؤ أحد الاشارة إليها.

وركزت كل من روسيا والدول الغربية على إفريقيا بعد تصويت شهر مارس في الأمم المتحدة الذي أدان الغزو الروسي، وعلى الرغم من اعتماد التصويت بكل سهولة، إلا إن نصف الدول الأفريقية امتنعت عن التصويت، وهو أكبر تكتل من ذلك النوع، ومنذ ذلك الحين، ركزت روسيا على الدول الأفريقية لتعزيز وجهة نظرها حول الحرب، في حين سعت الدول الغربية لإقناع الدول الإفريقية بتغيير رأيها، فالدول التي امتنعت عن التصويت في يوم التصويت هي في مركز اهتمام القادة الغربيين. وقد مهدت الحرب الساخنة في أوروبا الطريق أمام حملة من الإطراء والمديح للدول الإفريقية.

وبدأت تلك المرحلة الأخيرة من الصراع في نهاية شهر يوليو، عندما بدأ لافروف جولته في الدول الأفريقية، وبعد وصوله إلى القارة السمراء وصل ماكرون إلى الكاميرون.

وما تبع ذلك كان نزاع حول وجه نظر كل طرف، فمنذ بداية الحرب، سعت روسيا إلى تصويرها على أنها عملية عسكرية محلية، حتى أنها ذهبت إلى حد حظر استخدام كلمة “الحرب” لوصف الصراع في التلفزيون الروسي. وكان الرد الأوكراني والغربي هو “عرض الصراع على الساحة العالمية”، ووصف الغزو الروسي بأنه تهديد للقارة الأوروبية بأكملها، وبالتالي حشد الدعم من كافة الدول الأوربية. (كما لم يكن ذلك مجرد وصف: حيث تزامن ذلك مع تخلي السويد وفنلندا عن ترددهما الطويل تجاه الناتو وتقدمتا بطلب للانضمام للحلف.)

لكن مع توجه روسيا والدول الغربية إلى الزعماء الأفارقة للحصول على الدعم، فإن عرض الصراع على الساحة الدولية كان ضد الغرب، وكانت روسيا فطنة في ذلك السياق، حيث تحدثت عن التدخل الغربي والاستعمار في القارة السمراء، بطريقة أثرت في العديد من القادة (وإن لم يتأثروا فقد تأثرت شعوبهم).

والحجج القائلة بأن روسيا لا تشكل تهديدًا على الدول الأفريقية (على عكس الغرب، غمزة) ولم تسع روسيا أبدًا إلى استعمار الدول الأفريقية (على عكس بعض الدول …)  وأنه مثلما لا ترغب الدول الأفريقية في أن تتدخل الدول الغربية في شؤونهم الداخلية، فإن روسيا لا ترغب في أن يتدخل أحد في “عمليتها العسكرية الخاصة” حيث إن لتلك الحجج أثر وصدى كبير في القارة.

وتعامل ماكرون مباشرة مع تلك الجدلية عندما وصل إلى مدينة بنين في الأسبوع الماضي قائلاً: ” عانت إفريقيا من الإمبريالية الاستعمارية، وروسيا هي واحدة من آخر القوى الاستعمارية والإمبريالية، وقد قررت غزو دولة مجاورة للدفاع عن مصالحها الخاصة”. وبالنظر إلى وصول ماكرون إلى البلاد في نفس الوقت الذي بدأت فيه الاحتفالات بالذكرى السنوية لاستقلال بنين من فرنسا، فمن الجائز القول إن جدلية ماكرون لم تلاق الكثير من النجاح.

وتتعارض تلك الحجج السياسية، ورغبة القادة الأفارقة في إظهار قدر كافٍ من التضامن لكيلا يتعرضوا للإزعاج، مع حقيقة واضحة مفادها أن الحرب في أوكرانيا تسببت في جوع فعلي في جميع أنحاء القارة، حيث صدرت أوكرانيا وروسيا معًا نسبة 40 بالمائة من إمدادات القمح لأفريقيا قبل الحرب. وكانت آثار الحرب مدمرة، حيث ارتفع أسعار القمح بنسبة 50٪ تقريبًا في مصر، التي تعتمد على البلدين لتغطية ثلاثة أرباع حاجتها منه، وأدت الحرب إلى تفاقم الجفاف في القرن الأفريقي، وإذا أضفنا الارتفاع الشديد في أسعار النفط، فإن بعض البلدان الأكثر ضعفا هي الأكثر تضررا.

وأبشع جانب في تلك الجولات المتنافسة هو قلة تأثير إفريقيا في هذه الحرب، على الرغم من دفعها ثمن باهض لها، ووعود التجارة أو الشراكات لا تغني عن الاستقلال الحقيقي. وبقدر ما كانت مشاهدة لافروف مثيرة للخزي وهو يتحدث عن احترام سيادة الدول الأفريقية حتى في الوقت الذي تقوم فيه روسيا بتقسيم الأراضي الأوكرانية، كان من غير السار أيضًا الاستماع إلى حديث ماكرون في الكاميرون، حيث انتقد الدول الأفريقية “لعدم وصف ما يجري في أوكرانيا بأنها حرب ” كما لو أن كلمة “حرب” حول صراع بعيد وأوربي  كان يهمه أكثر من أزمة الغذاء والوقود في جميع أنحاء القارة.

إن إفريقيا مجبرة على أن تكون جزءًا من هذه الحرب، وتحمل عواقبها لكنها لا تستطيع أخذ أي قرار، حتى عندما يبدو السياسيون من الخارج متملقين أو محاضرين أو مداهنين. كما يقول المثل الأفريقي الذي عندما تتقاتل الأفيال، فإن الضحية هو العشب: والقارة السمراء لا تزال تدفع ثمن خطايا القارة العجوز.

 

يقوم فيصل اليافعي حاليًا بتأليف كتاب عن الشرق الأوسط وهو معلق دائم الظهور على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية، كما عمل لقنوات إخبارية مثل ” ذا قارديان” و “بي بي سي” ونشر تقارير عن الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.

تويتر: FaisalAlYafai