النموذج الشيشاني الذي تطبقه روسيا في سوريا لن يؤدي الا إلى تأجيج الصراع

نيل هاور

حصد النظام السوري مكاسب جمة من التدخل العسكري الروسي في بلاده. وكانت قوات الحكومة السورية قد أعادت سيطرتها على معظم أنحاء البلاد، ومنها “حلب” والصحراء المركزية الخاضعة لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” ومعظم معاقل الثوار. وفي ظل الانتصارات التي يحققها النظام السوري على أرض المعركة، لا يبدو أن ثمة حل شامل لهذا النزاع. ولاتزال المشاكل الرئيسية قائمة ومنها مشكلة “المناطق الشمالية التي يسيطر عليها الأكراد وصولاً إلى تقرير المصير النهائي لمدينة “إدلب” – ناهيك عن هروب ربع سكان البلاد واقتصادها المدمر.

ولمعالجة تلك المشكلات، ترغب موسكو في تكرار نموذجها الذي تعرفه جيدًا لتسوية النزاع: وهو النموذج الشيشاني، تلك الجمهورية السابقة المنفصلة والتي أعادت القوات الروسية احتلالها بطريقة وحشية في مطلع العام 2000. وكان المسؤولون الروس يصفون النزاع السوري بعبارات مماثلة، واصفين المقاتلين الثوار جميعهم بـ”الإرهابيين”، ومستنكرين في الوقت ذاته عدم شرعية المعارضة، وواصفين النزاع بأنه معركة حامية الوطيس ضد جحافل تنظيم القاعدة. وذهبت السفارة الروسية في واشنطن إلى أبعد من ذلك بخصوص مدينة “غروزني”، تلك العاصمة الشيشانية المدمرة والتي أُعيد بناؤها بعد الحرب بأسلوب راقي وفاخر، على اعتبار أنها نموذج يحاكي مدينة “حلب”.

ورغم ذلك، كان النموذج الشيشاني نموذجًا كارثيًا لأنه رسخ لنظامٍ وحشي نتج عنه الآلاف من اللاجئين ومهد المشهد لنزاع محتمل في المستقبل. ومن المحتمل أن يحدث الشيء نفسه في سوريا.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتن قد استهل مدته الرئاسية الأولى باحتلال وحشي للشيشان والتي كانت خارج سيطرة موسكو منذ تفكك الاتحاد السوفيتي في العام 1991. وحتى لا تدخل روسيا في معركة داخل المدنية، دكت القوات الجوية الروسية المدنية وسوتها بالأرض مخلفة ورائها عشرات الآلاف من اللاجئين من تلك المدينة التي وصفتها الأمم المتحدة في العام 2002 بأنها “المدينة الأشد دمارًا على وجه الأرض”. وبعدها استمرت القوات الروسية في تعقب الثوار داخل الجبال، واستأصلتهم من معاقلهم مع تحول النزاع إلى حرب غير متكافئة.

وعلى مدار سنوات عدة، سلمت موسكو بصورة متزايدة زمام الأمور إلى وكلائها المحليين، وجعلت النزاع “شيشانيا” خالصًا في ظل انسحاب قوات روسيا الاتحادية. هذا وقد صدرت سلسلة من العفو العام عن المقاتلين المتمردين بعد تعرضهم لهزائم مدوية استنزفت قوتهم، في الوقت الذي أطلقت فيه روسيا العنان للقوات الموالية لحكومة الشيشان بقيادة “رمضان قديروف” لقمع المعارضة الباقية بصورة وحشية. كما قدمت الحكومة الروسية الاتحادية الإعانات لإعادة إعمار العاصمة الشيشانية لتكون مدينة عصرية ومشرقة، مع القضاء نهائيًا على التمرد المنظم.

ويجب أن يكون هذا النموذج واضحًا لمتتبعي المشهد السوري. ففي العام 2015 شاركت روسيا في النزاع السوري، وأطلقت العنان لحملة عشوائية شاملة وواسعة من القصفات الجوية. وعلى مدار العامين التاليين، تمكنت قوات النظام السوري وحلفائها بفضل الدعم الروسي من إعادة السيطرة على معظم الدولة، باستثناء الجزء الشمالي. وبعدها تضائل القصف الجوي الروسي إلى حد كبير، ففي هذا العام توقفت الضربات الجوية بصورة كاملة خلال فترات وقف إطلاق النار المحدودة. وعلى الأرض، أبرمت الشرطة العسكرية الروسية عدد من التسويات وصفقات الإجلاء والتي بموجبها يستطيع المقاتلون الثوار الرحيل إلى إدلب أو تسليم الأسلحة الثقيلة للبقاء تحت مظلة النظام.

وبعد الانتهاء من تلك الصفقات، سرعان ما غادرت القوات الروسية مانحة الضوء الأخضر للقوات الحكومية الموالية لها لنهب المناطق التي استعادت السيطرة عليها. وترعى موسكو الآن العديد من المشروعات المثيرة للإعجاب كإعادة بناء المساجد الرمزية في “حمص” و”حلب”، ومما يدعو للسخرية أن من ينفذ تلك المشروعات هي الحكومة الشيشانية.

وبالتالي من المفيد التعرف على ما حققته روسيا في الشيشان. ففي الوقت الراهن، تعد الشيشان دولة بوليسية ويمكن القول بأنها المكان الأكثر وحشية في أوروبا والتي يسير الحكم فيها من خلال القمع الشديد، فضلاً عن انتشار التعذيب والعقاب الجماعي والاعتقالات التعسفية. وتشير التقديرات إلى أن نصف سكان الشيشان يعانون من البطالة، مع اعتماد الإقليم على إعانات روسيا الاتحادية والتي تمثل “85%” من موازنة الإقليم.

ومازالت الشيشان تصدر أكبر عدد من اللاجئين في أوروبا، حيث يحاول أكثر من 100 شيشاني يوميًا الفرار إلى الاتحاد الأوروبي. ولم يتلفت أحد إلى المعاناة المأسوية لهذا الإقليم، وهذا ما أظهرته المظاهرات الغفيرة التي حدثت مؤخرًا لدعم الرجل الشيشاني المتهم بقتل أحد القادة المعروفين بوحشيتهم في الجيش الروسي بسبب انتهاكاته أثناء الحرب. ولا يمكن لقديروف أن يعزز قبضته على السلطة إلا بشراء ولاء عشرات الآلاف من الميليشيات. وفي ظل غضب الكثيرين بشكل واضح من الانتهاكات التي يمارسها النظام الشيشاني، فلا يوجد أدنى شك أن ثمة حرب ثالثة ستدور رحاها في الشيشان.

ولا يوجد أيضًا ما يدعو للقول بأن الإستراتيجية الشيشانية ستؤتي ثمارها في سوريا، وذلك بالنظر إلى التفاوت الشاسع في القدرات بين النظامين “السوري” و”الشيشاني”، فالشيشان إقليم صغير من حيث المساحة وتعداد السكان: فمع بدأ الحرب الشيشانية الثانية كان عدد القوات المسلحة الروسية أكبر من عدد سكان الشيشان. وعلى النقيض، يقترب عدد سكان سوريا من “20” مليون نسمة، وتفوق مساحتها مساحة الشيشان عشرة أضعاف. وربما الأكثر أهمية هو أن سوريا غير متاخمة لروسيا الاتحادية.

وهذا يدل على أنه لا تشابه بين النظامين السوري والشيشاني. فبينما كانت روسيا تبيد جروزني في العام 2000، قدر مسؤول روسي بأن تكلفة إعادة الإعمار ستكون “1” مليار دولار أمريكي. بينما تشير التقديرات الحالية للأمم المتحدة إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا ستبلغ “388” مليار دولار أمريكي.

ويدرك المتتبع للوضع الراهن في الشيشان أن رغبة الروس في “حل” النزع هو الخيار الأشد قسوة، فضلاً عن عدم جدواه. وتشكل جهود المجتمع الدولي المتواصلة لتشكيل مستقبل سوريا، ولاسيما “حلب” والمنطقة الشمالية التي يسيطر عليها الأكراد، خطوة هامة لتجنب المصير غير المرغوب. لقد خذل العالم “الشيشان”، وها هو يخذل “سوريا” أيضًا إلى حد كبير، ولهذا يتعين على المجتمع الدولي بذل قصارى جهده لوقف التدهور في الوضع السوري.

AFP PHOTO/KIRILL KUDRYAVTSEV