الهجمات الإلكترونية الروسية على دول البلطيق ترسم ملامح الحروب المستقبلية

جوزيف دانا

Image courtesy of Mikhail Klimentyev / Sputnik / AFP

بدأ صراع أخر يشتعل في أماكن أخرى على حدود روسيا، بالتزامن مع استمرار القتال في أوكرانيا، ويهدف ذلك الصراع العابر للحدود إلى زعزعة استقرار دول البلطيق وهي إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، ولكن من المحتمل أن يتوسع ليشمل دول أخرى.

حيث تعرضت الحكومة الليتوانية وبوابات الشبكة العنكبوتية الخاصة بالخدمات العامة لهجوم إلكتروني متواصل من قراصنة روس في الشهر الماضي، وجاء الهجوم ردا على تطبيق ليتوانيا لمجموعة من عقوبات الاتحاد الأوروبي على البضائع التي تنتقل من وإلى مدينة كالينينغراد، وهي مدينة روسية تقع بين ليتوانيا وبولندا، ووعد القراصنة الروس بالمزيد من الهجمات في المستقبل، متحملين مسؤولية ذلك الهجوم.

وقال متحدث باسم الجماعة لرويترز ” سيستمر الهجوم حتى ترفع ليتوانيا الحصار.” “لقد دمرنا إلى الآن فقط 1،652 من مصادر الشبكة الإلكترونية”.

وكانت دول البلطيق في الخطوط الأمامية للحرب الإلكترونية على مدى عقود، باعتبارها أولى الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات، وقد بقيت مناهضة لروسيا في موقفها، وبالتالي تحملت وطأة الهجوم السيبراني الروسي المتزايد التعقيد.

وتفاقم ذلك الوضع الحرج في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من خلال سلسلة من الهجمات الإلكترونية الروسية العدوانية، حيث عانى البرلمان الإستوني والعديد من الوزارات والمؤسسات الإعلامية والبنوك من سلسلة من الهجمات الإلكترونية القوية في عام 2007 بسبب موقف البلاد من نقل نصب تذكاري من الحقبة السوفيتية في العاصمة تالين. واعتبر المسؤولون في دول البلطيق الهجوم بمثابة مقدمة لهجوم يمكن أن يشل شبكات الكهرباء ويشل البلاد برمتها.

وأجبرت شدة ذلك الهجوم، الذي استمر 22 يومًا، إستونيا على اتخاذ تدابير لعزل البلاد من آثار الحرب الرقمية، وكانت الطريقة بسيطة وهي وضع أكبر عدد ممكن من الخدمات والأنظمة الحكومية على شبكات خاصة وآمنة وتعزيز الأمن السيبراني.

وفي نهاية المطاف، نقلت إستونيا خدمات المواطنين والوظائف الأساسية للحكومة إلى بلوكتشين، لتصبح أول دولة في العالم تستخدم التكنولوجيا لحماية بياناتها، وعليه أنشأت إستونيا دولة يمكن حكمها فعليًا من أي مكان في العالم، وعند حدوث غزو روسي أو هجوم إلكتروني بغرض شل الخدمات الأساسية، يمكن للقيادة السياسية الفرار من البلاد وإدارتها من أي مكان آخر.

ولن ينجح ذلك النموذج في كل البلدان، حيث تقدم دول البلطيق فكرة مستقبلية لكيفية بناء أنظمة الأمن السيبراني القادرة على تحمل نقاط الضعف في عصرنا التكنولوجي وذلك بفضل حجمها الصغير وامتلاكها لقطاع تكنولوجي كبير. ونظرًا لأن المزيد من البلدان الصغيرة ذات البيئات التشريعية الذكية تتبنى الأنظمة الاقتصادية التي يغديها رأس المال الفكري، فإن جودة أنظمة الأمن السيبراني الخاصة بها ستحدد البلدان التي ستزدهر في النظام العالمي القادم.

والجانب المشرق من هذا الموقف الدفاعي هو أن مواطني دول البلطيق قادرين على العيش في جمهوريات رقمية، حسب وصف مجلة ” ذا نيويوكر” لإستونيا، ومن خلال الاستثمار في البنية التحتية الرقمية المعقدة، تمكّن الحكومة الإستونية المواطنين والمقيمين من ممارسة معظم حياتهم عبر الإنترنت، ويمكنهم التوقيع والوصول فعليًا إلى جميع الخدمات الحكومية رقميًا باستخدام هويتهم الرقمية الإستونية الفريدة، وهو نظام تم إنشاؤه في عام 2002.

وأطلقت الدولة في عام 2014 أول برنامج إقامة إلكترونية في العالم بهدف الوصول إلى 10 ملايين مقيم إلكتروني بحلول عام 2025، وعلى الرغم من أن 85000 شخص فقط أصبحوا مقيمين إلكترونيين حتى الآن، إلا إن البرنامج سمح لأصحاب المشاريع في جميع أنحاء العالم بإنشاء أكثر من 19000 شركة رقمية دون الحاجة إلى التواجد فعليًا، من الموظفين المستقلين إلى رواد الأعمال ذو الخبرة والمتنقلين الرقميين، وأتاحت الإقامة الإلكترونية في إستونيا تشغيل شركة مسجلة عبر الإنترنت في الاتحاد الأوروبي من أي مكان في العالم.

ومستقبل الحروب رقمي لأن مستقبل المجتمعات هو أيضا رقمي، وأصبحت الأعمال العدائية المتجددة بين دول البلطيق وروسيا مختبرات كبيرة لتقييم الاتجاه الذي تتجه إليه أنماط الصراع السيبراني، وتولي دول في الشرق الأوسط، مثل الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، اهتمامًا خاصًا بكيفية تطور ملامح الحرب الإلكترونية واستراتيجيات الدفاع المتغيرة.

والسبب ذو شقين، فعلى مدى العقد الماضي، استثمرت الإمارات العربية المتحدة موارد كبيرة في اتباع نموذج إستونيا كجمهورية رقمية، من إدخال موارد “بلوكتشين” على المستوى الحكومي إلى خطط إنشاء برامج إقامة إلكترونية مماثلة، وهناك روابط قوية تربط الإمارات العربية المتحدة بدول البلطيق، وفي الأشهر الماضية، ناقش المسؤولون الإماراتيون أيضًا الحاجة إلى بناء بنية تحتية أفضل للأمن السيبراني لحماية اقتصاد المعرفة في البلاد.

ويتفق العديد من المحللين على أنه إذا اندلع الصراع بين دول الخليج وإيران، فسيشمل هجمات إلكترونية خطيرة من كلا الجانبين، وقد تبادلت إسرائيل وإيران بالفعل الهجمات الإلكترونية، ويخشى البعض أن تتصاعد تلك الهجمات لتتجاوز البنية التحتية العسكرية وتصل إلى أهداف مدنية حيوية.

وبغض النظر عما قد يحمله الغد، فإن الهجمات الإلكترونية ستحدد مستقبل الصراعات، ويجب رصد الخطوات التي تتخذها دول البلطيق للدفاع ضد العدوان الروسي بحثًا عن قرائن وأفكار حول ملامح ذلك المستقبل.

 

جوزيف دانا هو رئيس التحرير السابق لـ ” إكسبونانشال فيو، وهي نشرة إخبارية أسبوعية حول التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع، كما شغل منصب رئيس تحرير “إيميرج 85″، وهو مركز يستكشف التغيير في الأسواق الناشئة وتأثيره العالمي.