الحرب بالوكالة المفتعلة في سوريا بدأت تدق أبواب ليبيا

فيصل اليافعي

AFP Photo: Mahmud Turkia

في غمرة الاستجابة للإعلان الغير متوقّع بوقف إطلاق النار في ليبيا والذي أصدره الرئيس المصري في السادس من يونيو؛ كان هناك تطور سريع أكثر تفصيلًا فيما يخص الوضع المعقد الناتج عن الحرب الأهلية الليبية. وهذا التطور سلّط شعاعًا من الضوء على أحد أهم الجوانب التي تدعو للقلق فيما يتعلّق بهذا الصراع، وقد صدر تقرير قصير عن وكالة رويترز في اليوم اللاحق على إصدار الإعلان، كشف عن أن روسيا قامت بتجنيد مرتزقة سوريين من أجل القتال في ليبيا، وهُؤلاء هم المرتزقة الذين وجدوا انفسهم في مواجهة حتمية مع أبناء وطنهم؛ ونعني بهم المرتزقة السوريين الذين قامت تركيا بتجنيدهم قبل ذلك، وتعُد تلك نقطة تحول هامة في قصة حربين تعُدان من أطول الحروب الأهلية التي شهدها الشرق الأوسط. والان، فان الحرب بالوكالة المزعومة في سوريا بدأت تدق أبواب ليبيا.

وشأنه شأن جميع اتفاقات وقف إطلاق النار في ليبيا؛ فإن هذا الإعلان الأخير لم يبقى، وظلت البلاد مقسمة بين إدارتين متخاصمتين: حكومة الوفاق الوطني ومقرها طرابلس وتعترف بها الأمم المتحدة، والجيش الوطني الليبي الذي يقوده خليفة حفتر ومقره شرق البلاد.

أما حكومات أوربا والشرق الأوسط فقد وقفت كل منها إلى جانب أحد طرفي النزاع سواء كان ذلك علنًا أم سرًا: تركيا وإيطاليا انحازت كل منهما لحكومة الوفاق الوطني، أما مصر والإمارات العربية المتحدة وروسيا وفرنسا فقد انحازت كل منها إلى حفتر.

لكن الحرب التركية-الروسية بالوكالة باتت تدعو للقلق بشكل خاص لأنها تفتح معركة جديدة في الصراع المستمر – الحرب الأهلية السورية – والتي تعُد في حد ذاتها بعيدة عن أن تضع أوزارها.

والعلاقات التركية الروسية فيما يتعلّق بسوريا هي علاقات معقدة للغاية، فمن جانب جلست كل من تركيا وروسيا مع إيران في إطار عملية السلام السورية وفقًا لمسار الأستانة، لكن كل من أنقرة وموسكو تعُدان بمثابة أعداء في أرض المعركة، حيث انحاز كل منهما إلى طرف على حساب الآخر، وهذا الأمر كانت له عواقب كارثية: فخلال شهر فبراير فقط قُتِل 30 جنديًا تركيًا بفعل غارة جوية روسية، واليوم فإن تلك الخصومة انتقلت إلى مكان آخر بعيد للغاية.

ويعُد ظهور المقاتلين السوريين الذين يعملون لحساب روسيا أحدث الأمثلة على التورط الروسي في هذا النزاع. وقبل أسبوعين اتهمت الولايات المتحدة روسيا بنشر مقاتلات على الأراضي الليبية، وفي مؤشر على أن الصراع السوري باتت له تبعات إقليمية أوسع نطاقًا؛ ادّعت الولايات المتحدة أن تلك المقاتلات الروسية قد توجهت أولًا إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية على الساحل السوري المطل على البحر المتوسط – وهناك تم إعادة طلاء تلك المقاتلات بغرض إخفاء هويتها قبل أن تطير بعد ذلك إلى ليبيا.

لكن الجديد في الأمر هو استخدام روسيا لمرتزقة سوريين، وكانت الحكومة التركية قد سبقت روسيا في استخدام السوريين لخوض المعارك نيابة عنها، حيث قامت في شهر يناير بإرسال آلاف من السوريين للقتال إلى جانب حكومة الوفاق الوطني، وتعُد مسألة تجنيد المقاتلين السوريين وإرسالهم إلى ميدان المعركة الذي يبعد آلاف الأميال هو تجسيد لمنطق الحرب في صورتها البشعة.

وبالنسبة لموسكو؛ فإن التضحية بالجنود الروس من أجل خوض حروب أهلية خارج البلاد أدّى إلى انتقادات داخلية لا حصر لها، كما أن هناك انتقادات دولية لموسكو بسبب العمليات السرية التي تقوم بها في الشرق الأوسط، وكان فلاديمير بوتن قد ادّعى أن مجموعة فاجنر التي تعمل في الخفاء، وهي مجموعة مسلحة على اعلى مستوى، وقد ظهروا في مناطق النزاع المختلفة في شرق أوكرانيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، لا علاقة لها بالحكومة الروسية، والآن فقد بات المقاتلين لا يحملون الجنسية الروسية.

أما تركيا فقد أعادت توجيه عناصر الجيش السوري الحر، التي باتت قابعة في مناطق الشمال السوري مع تضاؤل آمال الإطاحة بالنظام في دمشق، وهذا يعني أن مواطني تركيا لن يدخلون في قتال بشكل مباشر مع مواطني روسيا.

وبالنسبة لبشار الأسد فلو حدث – وهو أغلب الظن – فإن قيام كل من تركيا وروسيا بتجنيد مقاتلي المعارضة وإرسالهم للموت خارج البلاد هو أمر جيد للنظام السوري، ولم تكن لدى الأسد في السابق أية مشكلة مع مسألة “تدويل” الصراع السوري، والواقع أن تلك ستكون بمثابة ميزة يحصل عليها بشار الأسد في حال ضاقت الحكومة الليبية المستقبلية ذرعًا بالميليشيات السورية المتواجدة على أراضيها، أو إذا وصلت تحذيرات إلى أوربا من إمكانية عبور بعض هؤلاء المقاتلين البحر المتوسط باتجاه أوربا.

لكن مسألة إرسال المرتزقة السوريين إلى ليبيا إذا ما أتت بمنافع للأطراف الخارجية المتورطة في الصراع الليبي، فإن هذا الأمر لن يضر سوى بالشعب الليبي وحده، ومسألة تحول الأراضي الليبية إلى مسرح لمعركة جديدة هو أمر شديد الخطورة.

والحرب الأهلية السورية كانت وستظل معقدة للغاية. كما ان عملية تبايُن الولاء بين الميليشيات لطرف أو آخر باتت مسألة مترسخة على مدار عدة سنوات من عُمر هذا الصراع. فالتبايُن بين الميليشيات – المقاتلين الإسلاميين والعلمانيين والعرب والتركمان، والمقاتلين المرتبطين بأقاليم أو أيديولوجيات سياسية معينة، تطور بشكل كبير على مدار السنين، ونقل تلك المساوئ إلى ساحة معركة جديدة هو أمر شديد الخطورة.

والواقع أن ظهور المرتزقة السوريين في ليبيا هو أمر يدعو للقلق، لذات السبب الذي يجعل من وجود الميلشيات خطرًا على الأراضي السورية، وتلك الميليشيات تستمر فترة طويلة خاضعة للسيطرة السياسية القومية قبل أن تبدأ في تكوين كيانات اقتصادية وسياسية خاصة بها، والقادة يعملون على تطوير تلك الميليشيات، لذا فإن هؤلاء يبحثون عن التمويل والحصول على النفوذ السياسي.

والحقيقة أن التطور الذي شهدته هيئة تحرير الشام في منطقة إدلب يعُد بمثابة إنذار واضح، فتلك الهيئة كانت لها في السابق علاقات أيديولوجية مع تنظيم القاعدة، كما أنها رفضت الدخول في حلف سياسي مع تركيا، واختارت البقاء في المناطق التي لا تشهد نزاعات بمحافظة إدلب، وذلك دون الخضوع لسيطرة الدولة، حيث تقوم بفرض الضرائب عنوة على المواطنين، كما تقوم بالحصول على رسوم جمركية عبر نقاط التفتيش، وبما أن تلك الميليشيات باتت حرة في اتخاذ القرار؛ فقد باتت تسعى لتطوير نفسها ككيان مستقل.

وهذا هو الخطر طويل المدى الناتج عن نقل المقاتلين السوريين للاشتراك في الصراع الليبي، وليبيا لا تريد أن ترى المقاتلين السوريين والأسلحة على أراضيها دون ان يكونوا خارج السيطرة للقيادة السياسية، فقد عانت من هذا الأمر على يد الليبيين أنفسهم منذ 9 سنوات مضت.

 

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.